الخميس، 20 يونيو 2019

كيف تستعد البنت للزواج


الإنسان كائنٌ اجتماعيٌ بطبعه، لا يمكنه أن يعيش بمفرده إلا إذا فرضت عليه الحياة ذلك، فتجد أن الإنسان القديم سعى سعيًا حثيثًا لتكوين المجتمعات في مختلف اصقاع الأرض، فهذا دأب الفطرة البشرية.. وإلّا فلماذا نتكاثر؟، من هذه الفطرة أيضًا فطرة السعي لتكوين أسرة، وسواءٌ على البعض من الذين وضعوا رؤوسهم في التراب لكي لا يتعرضوا لهذا الموضوع أم اعترفوا بذلك.. أو تجدهم ينكرون أهميته في حياتهم، فإن الزواج كفكرة لا تنفك عن ذهن أي انسانٍ من ذكرٍ أو أنثى، فمن أنكر ذلك خالف فطرته، وقد يخفي احدهم ما الله مبديه في يومٍ ما.

ذلك الارتباط "المقدس" المتشكل في صورة الزواج لا بد من الاستعداد له الاستعداد الأمثل، في أوساط الشباب نسمع الكثير من العبارات في حق شبابٌ متزوجين نقول عنهم مستنكرين :" هذي مال زواج؟!" كناية على أننا لم نلحظ أي نوع من الاستعداد على هذا الشاب، ولكننا نغفل عن نوع مهم من الاستعداد الخاص بالزواج.. وهو استعداد "البنت"، قد يسأل بعضهم: " إذا كان الشاب هو الذي يوفر فرصة الزواج للشابة.. فكيف لها أن تستعد؟" أقول: إن التفكير في ضرورة استعداد البنت هو الطريق لخلق مجتمع قويٍ واعٍ، فالبنت اليوم هي العمود الذي ترتكز به خيمة الزواج، هي اساس تكوين الأسرة.. وهي التي تحفظ استمرارها بالدرجة الأولى، مسؤوليات جسام في انتظار البنت فور دخولها هذه العلاقة المقدسة.. فهل ينبغي اقحامها هكذا دون استعداد؟ وهل ينبغي اقتصار استعدادها على توفر "النصيب" من عدمه؟ لعلي هنا في هذه المقالة أحاول أن اوفّق بين كلام المختصين وأصحاب التجارب لأظهر الموضوع بشكل مفيد عمليٍ غير سطحيٍ ولا مبتذل.

وقت الاستعداد:

يختلف ذلك الوقت ويتنوع من فتاةٍ لأخرى كما يلي:
1- قبل الزواج: ويكون بالتربية الصالحة التي تدفع شخصية البنت فكريًا لتقبل هذا الموضوع، فمتى ما استلهمت البنت قيم الأمومة ومشاركة الطرف الآخر حياته لتأسيس أسرة سعيدة من خلال تفعيل بند "القدوة" فإنها ستكون جاهزة لهذا المشروع الضخم.

2- اثناء الزواج: قد يحدث التوافق الفكري والطبعي بين الرجل والمرأة قبل الزواج.. ولا يحدث الاستعداد الجيد له – وإن قرر الطرفان الارتباط - ، ومن هنا تبدأ عملية الاستعداد رويدًا رويدًا حتى تصل هذه الأسرة إلى مرحلة النضوج في مواجهة الطرفان لبعضهما البعض من جهة. وفي مواجهة الظروف الخارجية من جهة أخرى.

3- بعد الزواج: قد تضع المحاذير أمام الزوج و الزوجة لكي لا يقعا فيها وهما متزوجان.. فيأتي سيف القدر فينهي هذه العلاقة، وإن كتب الله عليك أن تعيش تجربة كهذه فستعيشها رغمًا عنك وإن حاولت وسعيت لغير ذلك، فإذا انتهت فهناك الاستعداد ما بعد الزواج والذي سيساعد على بدأ علاقة جديدة ولو بعد حين، فقد ينضج الإنسان تدريجيًا بمراحل عدة، أو بصدمة تجعله يعيد كل حساباته.

عوامل تساعد على استعداد "البنت":

1- جهوزية الرجل : 
قد تقلع البنت عن فكرة الزواج والاستعداد الذهني له بسبب عدم تقدم الرجل "الذي يستحقها" لخطبتها، فإذا كان الرجل غير جاهز فإن البنت بشكل تلقائي ستبحث عن مشاريع أخرى في هذه الحياة الدراسة والعمل وتكوين الذات بصورة فردية لا ترتبط بأسرة أو بطرف من أسرة.. أما إذا كان جاهزًا فإنها ستكون جاهزة إذا ما ساهمت تربيتها في ذلك، فإن لم يكن فإنها ستتفوق على نفسها لتكون جاهزة حتى أثناء الزواج.. ليس لشيء إنما لوجود رجلٍ كفؤ جاهز تستحق البنت الارتباط بمثله خُلقًا شخصيةً، وقدرةً على التواصل، وتقدير اختلاف الفكر وطريقة الوصول إلى النتيجة، وتحمّل تغير الأمزجة، والخوف من الله في هذه المسكينة التي أخرجها هذا من بيت أبيها. فإذا لمست وتوقعت البنت من الرجل ذلك، وأيقنت بأنه رجلٌ يستحقها فستكون مستعدة.

2- تحمل البنت للمسؤولية:

كثيرًا ما نكنّي بعبارات شعبية جميلة تأخذ أبعادًا مجتمعية .. من هذه العبارات ما نطلقه استنكارًا على حال البعض من الشباب عديمي المسؤولية بقولنا " ياكل ويمش يده في الطوفه"، فهل يليق بالبنت التي ستكون أساس الأسرة ولب تكوينها أن تعيش في بيت أبيها لا تحمل أي نوع من أنواع المسؤولية؟ ولكن دعونا نتوقف عند سؤال مهم جدًا، كيف تتجلى مسؤولية البنت وهي غير متزوجة؟ أقول: إن تنظيم البنت لأمور نفسها ودراستها والأنشطة التي تمارسها.. موازاةً مع خدمتها ومساعدة أمها في تدبير شؤون البيت دون اخلال باهتمامها بنفسها، سيجعل منها زوجة جاهزة متى ما أيقنت هي بأنها ستكون في ايدٍ أمينة، أما البنت المهملة المتقلبة.. فإنها ستحتاج إلى وقفة جادة مع النفس لتغيير الطباع وترتيب دماغها وحياتها الذاتية، فليس الزواجُ بالأمر السهل والفرح واللهو المؤقت.. بل هو حياةٌ ممتدةٌ طويلة، ليس قرارًا يؤخذ بعاطفة مجردة.. أو بتفرد دون مساعدة أحد، بل على البنت أن تسأل وتطلب مِن مَن حولها النظر في أمر شخصيتها معها سواءً من أبٍ أو أمٍ، أو اختٍ أو أخٍ (إلا في حالات محددة يكل هؤلاء ضغطًا سلبيًا على البنت فينبغي اعتزالهم في ذلك).

ملاحظة: قد تصل البنت المسؤولة لقرار بأنها ليست جاهزة للزواج، بينما هي جاهزة جدًا.. والعكس صحيح، ومن هنا تأتي عملية التقييم والمشاركة والعقلانية، لا للخوف واللهو والتسرع.

3- أسس الاختيار، وأساليب الخداع:

الشاب منّا بعد أن يتعرض لموضوع الزواج.. قد لا يكون متصورًا تمامًا لضخم هذا المشروع، ويظن أن بحرصه على الظهور بشكل أكمل امام البنت التي سيخطبها أمرٌ سيُنجح الزواج، فإذا جلس الشاب أمام البنت وتحدث عن نفسه.. فلا ينبغي للبنت أن تنظر إليه كما نقول بالدارجة العامية "مسبهة" بدون وعي وبدون توفر معلومات كافية لاتخاذ القرار الأصوب، هناك أمورٌ تمس استعداده الشخصي للزواج.. فإن لمستي بأنه غير مستعد فلا تخاطري بنفسك، لأن الأطباع من الصعوبة بمكان أن تتغير، بل يجب وضع أسس صحيحة للاختيار المناسب.. واسألي نفسك: " هل أطباعه مناسبة لأطباعي؟ هل سينهض بحالي أم سيحطم مستقبلي؟ هل سيقربني من ربي ام أنه أبعد ما يكون من ذلك؟ هل هو شخص مسؤول يستطيع تدبير شؤون البيت الخارجية أم أنه "ياكل ويمش يده في الطوفه"؟ هل هو راغب جاد ام "مغصوب"؟ والكثير من الأمور التي يجب استخلاصها بتمعن – بدون الاعتماد على العاطفة فقط - .

4- أهلاً بالقدوة ..  لا للمقارنات:

من الجميل أن يحصل الإنسان على نماذج يعرف من خلالها من أين ترد المشاكل الزوجية، وكيف يستطيع الطرفان حل تلك المشاكل بحكمه وخبرة، وهنا أذكر الحكمة والخبرة لغرض مهم وهو:  "رجاءً .. لا تستنسخوا تجارب غيركم" ، فقد يكون من تلك المشاكل ما هو مكرر .. ولكن الأطباع من حالة إلى حالة مختلفة بشكل كلّي.. فلا بنفع نفس الدواء لكل مريض خاصةً إذا استفحل المرض، لا تقارني نفسك بأي بنت أخرى، ليست المعيارية بأن البنت الأخرى افضل منك أم لا.. بل المعيارية بأنكِ بنتٌ مختلفة، خذي من التجارب ما يتلاءم معكما، وليس معكِ لوحدك، التجارب للاستفادة وليست للمطابقة.

5- القدرة على فهم الطرف الآخر:

الطرف الآخر.. شخصٌ مسؤول عن بيته وهو "أنتي"، يتقلب مزاجه بتقلب الضغوط النفسية التي يعانيها خارج المنزل، فليس منا من يذهب إلى عمله سعيدًا الا القليل، فإذا ما وثق الرجل بأنكِ متفهمة لما يجول في خاطره سّلم نفسه لكي، لكل انسان مفاتيح، فإذا ما كانت البنت مستعدة لاكتشاف هذه المفاتيح عاشت سعيدة.. في المقابل سيجتهد الرجل لاكتشاف مفاتيح المرأة والظروف التي تحكم تغير أمزجتها والمتغيرات التي تطرأ عليها، فإذا ما شاهدت المرأة هذا التقبل والتفهم سيقبل الطرفان على بعضهما بشكل أكثر.. الزواج علاقة ثنائية، لا يكفينا منها معرفة ما نشعر به فقط، بل علينا التفكير مليًا فيما يشعر به الطرف الآخر.. وهل بإمكاني كبنت معايشة ذلك أم لا.

هذا غيض من فيض، تذكري أيتها البنت.. أنتِ أساس نجاح أي علاقة او فشلها، فأنتِ الأصل والجذور .. تظهر قوتها في ثباتها، وتساهم في نظارة الشجرة وجمالها، وتنعكس منها خضرة أوراقها وتعدد فروعها، فاختاري لنفسك الدور الذي تريدين في هذه الحياة.

ملاحظة: من أراد تنظيم ندوة معي في هذا الشأن، لندعو الشباب والشابات والمختصين لنقاش مفتوح فليبادر ويساعدني، فالمرأ قليل بنفسه.

محمد حسن يوسف




الجمعة، 14 يونيو 2019

الصراع الزائف بين الرجل والمرأة


تحفظت قبل الخوض في غمار هذا الموضوع، لا لصعوبته بل لقناعتي بأن وسط النخب الاجتماعية والصحفية، بل ومن يقلدونهم ويقتفون اثرهم محبين لعقد المقارنات بين الرجل والمرأة بالعموم.. وبالتحديد تلك المقارنات بينهما فكريًا وجسديًا واجتماعيًا، لا لغاية تنهض بالمجتمع وتحسن من سلوك ما، بل هو لعرض أفضلية جنس على آخر، وكأن حظوظ النفس اللئيمة أخذت تسلك طريقها، فدخلنا في نفق مظلم لا تُرجى له نهاية قريبة، ولكن لنتناول الموضوع من جهة أخرى علّنا نقدم طرحًا يفيد قارئه، ويبعده عن نزاعات الجاهلية المفرقة والمحزّبة.

الضلع الأعوج:

لنعد لبداية الخليقة، ذلك الكائن الطيني الذي خُلق وحيدًا.. عُّلم الأسماء كلها وأسجد ربه تعالى له الملائكة لعظمة خلقه، لم يكتفِ ربه جل في علاه بذلك الأمر فحسب.. بل خلق له زوجًا من أضلُعه وهو نائمٌ لكي لا ينفر منها، فكانت اجمل النساء، فكان لها زوجًا وأنسًا.. وكانت له صاحبةً وسكنًا، فما السر في ذلك الضلع؟ إنه ضلع أعوج في آخره، يحمي صدر آدم عند قلبه تحديدًا، فما على آدم إلا أن يتعامل معه بحذر.. فإن أراد تقويم ذلك الضلع بشدة انكسر بين يديه، فصفته بأنه أعوج ليس عيبًا، بل ميزة .. ولكن الرجال سرعان ما يلقون الألواح.

تقسيم المهام:

اعلم يا من تقرأ هذه الحروف بأن حرص الله سبحانه وتعالى على خلقه ليعيشوا في ارضه بالشكل الصحيح اكثر من حرص الإنسان نفسه، ألم ترَ ذلك الإنسان عند صنعه لشيء ما فإنه يترك أثرًا للتعليمات بداخله؟ كذلك الرب تعالى.. لم يترك آدم وزوجه في هذه الأرض بلا تعليمات وبلا مهام.. تجلّى ذلك واضحًا بتحديد المصير النهائي "الجنة"، ومكان الامتحان الوقتي وهو " الأرض"، وأوضح لهما العدو اللدود المترصد لهما ولذريتهما "إبليس"، وقصّ للبشرية جمعاء قصة التفاحة وأثرها على آدم وحواء.. وتحميل آدم للمسؤولية بشأن ما حدث "وعصى آدمُ ربَّه فغوى" باعتباره رجلًا، والرجل لا يتملص من مسؤولياته.

التفضيل:

تناول الله سبحانه وتعالى قضية تفضيل الرجل على المرأة بعدة اشكال، وليس للتفضيل هنا معنىً إلا المعنى الذي يقترن بالمسؤولية، فلست أيها الرجل أفضل من المرأة بمجرد أنك رجلٌ أو أنها امرأة، فتجد أن الله تعالى قال عن الرجال لقوامتهم ولإنفاقهم: " وللرجال عليهن درجة". فبمسؤولية القوامة يصبح للرجل الأفضلية، ففي مقام القوامة يفعل الرجل ما لا يطيقه ليعيل عياله، وقد يصبر على أمرار الدهر نفسيًا حتى يكاد يحترق قلبه، ويفنجر رأسه، فإن عاد إلى البيت بهموم عمله قالت زوجته:" لا ترجع بهموم العمل إلى البيت". وإن ذهب إلى عمله مطرقًا رأسه بسبب هموم البيت قال له رب العمل:" لا تدخل مشاكل البيت الخاصة في العمل." فماذا يصنع؟!

من الناحية النظرية فإدخال الشأنين معًا ليس بأمرٍ رشيد، ولكن قلة من الرجال من يستطيع فعل ذلك.. ولست منهم. إذ يعسر فعلًا على الرجل أن ينافح ويكافح ليعيش ويعيل غيره، وأن يبقى ذهنه صافيًا من أي كدر، بل إن الرجل عند تعرضه للضيق الذي لا يمكنه أن يردّه بسبب مرتبة عمله.. فإن النار تستعر في قلبه، والصداع يأخذه يمنة ويسرة، ولكن وإن تكالبت عليه الهموم خارج المنزل كالجبل.. وكاد الجبل أن يسقط عليه لأوقفه، نعم.. بإمكان الرجل إيقاف جبل من الهموم القادمة من خارج المنزل، ولكنه يهتز ولا يتماسك عندما يكون الهم من داخل بيته.

 وفي مقام الأمومة يجيب النبي صلى الله عليه سلم الرجل الذي سأله: " من أحق الناس بحسن صحبتي؟" فقال صلى الله عليه وسلم: " أمك .. ثم أمك .. ثم أمك ". ولقد نعلم مقام الأمومة وما يحتويه من نصب وتعب على الأم مدى حياتها، فمسؤوليتها لا تنتهي بالحمل والولادة والرضاعة، بل بالتربية والمتابعة، بل ولا يمكنني وصف القلق الذي تشعر به الأم حين احساسها بالخطر يحدق حول أبنائها، ذلك القلق الذي يكاد يفتك بها هي الأخرى إذا زاد عن حده، ولكن لم يكلّف الله سبحانه وتعالى البشر الا ورزقهم الاستطاعة على التحمل، فجزاء والدينا الجنة يارب على ما بذلوه لنا، ما علمناه وما جهلناه.

بذلك قد علّم ربنا جل جلاله الإنسان مبدأً غايةً في الأهمية، وهو أنه " ليس لديك أسبقية لا لجنسك، أو عرقك، أو بلدك.. بل بما تحتويه نفسك من مسؤوليات تجاه مجتمعك". ولا ينزاعك في ذلك أحدٌ إلا نفسك الأمّارة بالسوء، فليست المرأة خصم للرجل والعكس صحيح، كم من أمٍّ فشلت في تربيتها لأبنائها، وانحازت إلى نفسها وحياتها الخاصة حتى قيل عنها: " إنها والله لبئس الأم". هل ذلك يعني أن نقتصر مقام الأمومة في حمل وولادة ونقول بأن الرجل يهتم بأبناءه أكثر من المرأة على وجه العموم؟! هناك من الرجال من يعود إلى بيته صارخًا: "أين الغداء؟".. يأكل كما تأكل الأنعام ويذهب ليغط في قيلولته – غيبوبته إن صح التعبير – فهل نعمم حالته على كل الرجال؟ للقواعد شواذ.

المرأة والجاهلية:

على الرغم من الزخم اللغوي التي كانت تمر به الفترة ما قبل الإسلام متجليًا في المعلقات الضخمة، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم سمّى تلك الفترة "بالجاهلية" لسببين، الأول: بسبب الفساد العقائدي، فالناس يعبدون صنمًا لا حول له ولا قوة، قد يصنع أحدهم ربه بيده من تمرٍ.. حتى إذا جاع أكله، ولا يغيّر عقيدة عجفاء ورثها من آباءه، الثاني: هو الفساد الأخلاقي، والمرأة كانت من ضمن ذلك الفساد، ففي الجاهلية تدفن الرضيعة وهي حية لجنسها، فإذا كبُرت قد تكون سلعةً بيد الرجال – كما هو في زماننا-، فجاء الإسلام ووضع الأُطر الأخلاقية التي كانت موجود قبل ذلك، ألم تسمع بهند بنت عتبة؟ نعم إنها تلك السيدة التي مثّلت بحمزة بن عبدالمطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم وأخوه بالرضاعة.. ولاكت كبده، عندما مثلت أمام النبي صلى الله عليه وسلم في فتح مكة تبايعه على الإسلام.. توقفت عند كلمة "ولا تزنين" فقالت مستنكرة هذا التجاوز الأخلاقي والمجتمعي :" أوَ تزني الحرة؟!"  أكّد عليها ووضعها كمعيار نتحاكم به مع الجنس الآخر، ليس من هوى النفس ولا من منطلق الجنسية.. من منطلق المسؤولية الأخلاقية والاجتماعية، لا بشكلٍ متساوٍ.. فإن تساوى الناس استغنى احدهم عن الآخر، ونشأ مجتمع مفكك وإن بان تحضره وتمدنه،  بل بشكل فيه مساواة ومراعاة للجميع.

إن الحالة التي يريد أن يصورها لنا البعض بأن الرجل والمرأة سيكونون في صراعٍ مادامت السماوات والأرض، وأن المرأة ستظل في رحلتها للدفاع عن حقوقها حتى تنال حريتها هو كلامٌ ليس فيه شيء من الرشد والتعقّل، هل توجد اليوم حالات تُظلم فيها المرأة لأنها امرأة؟ نعم ولا يمكن لأحد أن يُنكر ذلك.. فلا يخلو زمان من رجال ظُلّام طغوا واستكبروا ونسوا قدرة الله عليهم، ولكن لا يتم تعميم ذلك على كل الرجال كقاعدة، وإلا قوبلت بالمثل من قِبل الرجل، ولن ننتهي من هذا النقاش "البيزنطي" الذي لا فائدة منه، فلا احد يشكك في قدرات المرأة إلا قاصر نظر لتقوم هي بإثباتها، ولا تبخس حق الرجل منهن إلا جاحدة، فاحفظوا لكل ذي حقٍ حقه، وانصفوا بعضكم من بعض.. لعلنا نصل إلى طريق الرشاد والفلاح.

محمد حسن يوسف

الأحد، 4 نوفمبر 2018

مخاوف من الذات

كنت قد حضرت ورشةً تدريبيةً قدمتها الدكتورة لولوة بودلامة في معهد الإدارة العامة، وقتها قد طلبت مني  الدكتورة (ومن الجميع) الخروج أمام الجميع للتعريف عن نفسي.. وعن معلومةً خاصةٍ بي قد لا يعرفها معظم الناس، فقلت: "أنا خجول!!" فضحكت وقتها الدكتورة ضحكةً استنكارية، أقول في هذا الصدد بأن هناك عالمًا آخر في صدر وعقل كل إنسانٍ بعيدًا عن أعين البشر، فإذا ما ظهر للبشر تميّز في بدايته بالإثارة، وذلك ما يناسب الغريزة البشرية المتمثلة في الفضول ورغبتها في التعرف على المجهول.
ذلك المجهول الذي يحوي عقل الإنسان يتمثل في العديد من الأمور منها القدرات الذهنية، كيفية التخاطب مع الذات، الخواطر التي ترد على قلب الإنسان سواءً كانت ملائكية أو شيطانية، كل ما سبق لا نستطيع أن نتحكم به تحكمًا مباشرًا، ولكنَّ هناك عاملين حاسمين يحللان نظرتك المبدئية تجاه المجهول في داخلك، العامل الأول هو أنك لست وحدك على أية حال.. فالذي يرى أوراق الشجر تتساقط على صخرةٍ صماءَ في ليلة ظلماء قادرٌ على أن يطلع كذلك على مافي قلبك من خواطر، وعلى عقلك من أفكار، وعلى آمالك وآلامك، على ما تقوم به جوارحك.. وعلى ما أيقنت في قلبك بأنه لا خير في القيام بعملٍ محدد فامتنعت عنه، مطّلع على رجائك ودعائك، مطّلع على عجزك في تدبير شؤونك.. فيأتيك المدد من عنده بعد أن أُغلقت أمامك جميع أبواب الخلق، إنه الله الواحد الأحد ( اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فهو يراك)، اعلمك ما يرضيه فتفعله، وعن ما يغضبه فحرّم عليك فعله، وأعطاك عقًلا متسنيرًا، وأناسًا ينصحكونك ويدلّونك على الطريق.. فاعلم أن عالمك السري الخفي كلما تعلّق بما يرضى الله أفلحت وتقدمت (قد أفلح من زكاها)، وإن كان غير ذلك فلك الهموم والغموم.. حتى ترى المشكلة الصغيرة وكأنها سد كبير لا يمكن تجاوزه (وقد خاب من دسّاها)، فتعامل مع عالمك السري بتمعن وتنقية.
في التعامل مع المجهول أمام الناس هو يقينك التام بما يميزك، فهي نقطة قوتك الأبرز في التعامل مع البشر، لن تظن بأنك أفضل من الآخرين.. ولكنك مختلفٌ ببصمتك وقدراتك، كنت ولا زلت اعتقد بأن التمثيل أمام ستمائة شخص أقل وطأةً وصعوبة من إلقاء كلمة أمام عشرةِ أشخاص، وأنه لا يمكنني القيام بذلك على نحو جيد، ذات يومٍ وفي ورشة عمل أخرى عن الخطابة طلبت منّا الأستاذة "منال المتروك" التحدث عن موضوعٌ حددته بالقرعة، وكان من نصيبي موضوعٌ حسب ما أذكر بعنوان "هل يجب علينا أن ننتظر إلى تاريخ 1 يناير لنغيّر حياتنا؟"، وطُلب مني أن اتكلم بما لا يقل عن دقيقة.. ولا يزيد عن دقيقتين حسب ما أذكر، أيقنت أن في نفسي شيئًا سيجعلني أقوم بما يجب.. وهو أنني أحب الكلام المختصر، ولا أحب أن آتي بشيء مكرر، فوقفت وقلت هذه الكلمات بعد أن استفتحت بالعنوان:" العديد من البشر يربط التغيير بالوقت، فيقول أحدهم لنفسه بأنه سيتغير بعد أن يحُج، أو بعد أن يتزوج .. الخ، ولكن الذي يربط الوقت بالتغيير يقع في ثلاثة محاذير: الأول .. هو أن الإنسان قد يحتاج لتعديل الخصلة السيئة الكثير من الوقت، الثاني .. هو أن الوقت إذا مضى فإنه لا يعود، والثالث.. هو أن الإنسان لا يعلم متى ينتهي وقته، اسألوا البنت إذا نظرت إلى أمها تحت أجهزة الإنعاش ماذا تتمنى؟ اسألوا الكافر عند الحساب ماذا يتمنى؟ أنها أمنيات تتعلق بالوقت.. والرغبة في تغيير الأمور، ابدأوا من الآن. ا .ه". تم ترشيحي من قِبل الحضور كأفضل متحدث.
لا تكن عرضة للمجهول من الخواطر والأفكار لوحدك، هناك العديد بإمكانهم مساعدتك، وأي إنسان على هذه البسيطة يتكبر على طلب المساعدة في أي موضوع؟ لا تحتفظ بالفكرة في رأسك فتكبر ويعظم شأنها حتى تظن بأنها حقيقة، والحقيقة خلاف ذلك، اسأل وناقش وإن اغضبت الآخرين، فذلك أفضل من العيش في الوهم.. أن تكون غبيًا لبعض الوقت خيرٌ من أن تكون مخطئًا أبد الدهر، عالمك الخاص.. بيدك أن تجعله صافيًا نقيًا يترجم سلوكك الزكي، فإن ظننت بأنك وحدك عصفت بك الريح، وصُعب إدراكك، لأن ازالة الأوساخ من الطريق اسهل بكثير من ازالة أوساخ العقل.
 
محمد حسن يوسف

الأحد، 30 سبتمبر 2018

مات همًا

يبذل الإنسان في حياته بشكل عام الجهد الكبير والمضني في سبيل تحقيق أهدافه، سواءً كان ذلك بمفرده أم بمساعدة وتوجيه مِن مَن لهم رأيٌ عليه، فالطفل في صغره عندما ينشأ في حضن والديه على أفكار طيبة تنموية يحرص والداه على توفير البيئة السليمة خارج البيت، فيوجهانه للابتعاد عن رفاق السوء، وتجنب الأماكن المعيبة، فإذا تبلورت رؤيته لذاته وأهدافه سعى بكل إقدامٍ ورغبة في تحقيق ما تصبو إليه نفسه، مقاومًا كل الصراعات الناشئة من ذاته.. فيتعلم ويكتسب ويتثقف ويطّلع... يخالط الناس فيستفيد من هذا وذاك بما يعود عليه بالخير وبما ينصب في تحقيق رؤيته.
إن السعي في تحقيق أهداف الذات، وتحقيق صالح المجتمع بشكل عام عملٌ يأخذ كل وقت الإنسان، والاستقامة على الطريق المرسوم من أصعب المهمات التي سيقوم بها في حياته .. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "شيبتني هود". قالوا: "وما الذي شبيك فيها؟" قال صلى الله عليه وسلم: "فاستقم كما أُمرت" .  بالاستمرار في هذا النهج تسير خلاف ما تمليه عليك  نفسك، خلاف ما تمليه عليك خواطرك وشهواتك، خلاف ما يسير عليه الغالب من الناس الذين تجرفهم أمور الحياة لتصرفهم عن الهدف الحقيقي من وجودهم لعبادة الله وتعمير هذه الأرض.
لا ضير في ذلك، فمن يرغب في النجاح ويسعى له عليه أن يكتسب ما يفيده، وينقي نفسه من العيوب، ويذلل العقبات، ويستشير أهل العلم والدراية، ويقدم ولا يتردد.. لكننا في هذا الزمن قد بُلينا بأناس .. عيونهم مسلطة على غيرهم، وكأن الرأس قد فرغ من هم الذات ليتحول إلى الرقابة على خصوصيات الناس، فاعلم يا من فرغ همك وعقلك الا من مراقبة الناس .. بأنك تقع في محاذير متعددة وجسيمة، وعدم الوعي بها خسرانٌ مبين، وارتكاب هذا الخطأ حمق، وتكراره مرض.
أقسم الله سبحانه بالوقت في كتابه العزيز في عدة مواضع، فهناك الفجر.. والضحى .. والعصر.. والليل، والله جل جلاله لا يُقسم الا بعظيم، فللوقت أهمية كبيرة في حياة كل الإنسان، وما يذهب منه فإنه لا يعود، ولا يدري أحدٌ منا متى يأتي وقته فينتقل من دنيانا إلى حياة البرزخ تحت التراب، إن للوقت ثمن غالٍ يجعلنا نلتفت إلى أنفسنا بدون تضييع له أو تفريط، فإن جهلت ثمن وقتك فاذهب إلى المستشفى.. لترى ذلك الرجل كيف ينظر إلى أمه وهي تحت رحمة الله تعالى.. حياتها مرهونة بأجهزة مركبة، واسأله ماذا يتمنى.. فسيقول: "أتمنى أن يرجع الوقت، فأفعل غير الفعل، وأعبّر لها غير التعبير عن حبي لها. ابحث في كتاب الله تعالى عن حال الكافر يوم القيامة وما يتمنى حدوثه، فمن جملة ما يمتنى ستجده يقول : " ربّ لولا أخّرتني إلى أجل قريب فأصّدق وأكن من الصالحين". تأمل معي كل ذلك واسأل نفسك.. هل لي أن أضيّع الوقت فيما يفعل الآخرون ويُحدِثون؟ أين يجلسون وأين يرتحلون؟ ماذا يقتنون وما يشترون؟ أجزم بكل الحروف العربية أن من يفعل ذلك فهو مفلسٌ في ذاته.. غير مقدرٍ لوقته، واقع في غفلته وسهوه، فمتى يستفيق؟!
في رمي العين على الغير تزكية للنفس، والنظر للذات على أنها كاملة الخالية من أي عيب، فلو تيقن الإنسان وجود العيب في ذاته للهى به عن عيوب الناس، ولو تأمل الساعي إلى أهدافه الدرب الطويل نحو هدفه وما يلزمه من زاد (مهارات، خبرة، تنقية من العيوب الشخصية) لحُجِب عن ناظريه ما يفعله الناس من أمور خاصة سطحية لا تقدم ولا تؤخر، ذلك والله ابتلاء من الله على الكسولين الفاشلين .. ليزدادوا تخلُّفًا عن ركب المتقدمين، وفتنةً للعاملين العابدين ليجزيهم أيهم أحسن عملًا.
لمراقبة الغير شرور عظيمة، فالسطحية في التفكير.. وزرع بذور الحسد بتمني زوال النعمة وقدومها إليك.. والعائد من ذلك كمرض الحقد والكراهية المتأججة خطرة على ذاتك وعلى مجتمعك، قد تحرق النار بحجمها فقط.. ولكن إن تعدت على الغير فإنها تكبر، فاحرص على ما ينفعك، واصرف عن ناظريك ما يفعله الناس من أمورٍ تجعل منك إنسانًا غير حيادي.. غير موضوعي.. سطحي في طرحك.. غير سويِّ في تفكيرك.. يستقبحك الناس وإن جاملوك وإن قاربوك، منبوذًا مبعدًا.. لأن الناس قد جُبلوا على خوفهم وحرصهم على سلامتهم، وبعض الأمراض معديةٌ لا شفاءَ منها، فإن أبيت .. فأسأل السلامة منك مِن نفسك.
محمد حسن يوسف

الأحد، 1 يوليو 2018

انجازات الشباب .. والتسويق للذات


بينما يعمل الكثير من الناس على إظهار رقابهم من أجل اثبات الوجود، والبعض الآخر يرغب في إخفاء نفسه وأعماله.. بين هذا وذاك فوائد ومخاطر، ففي عصر تنوع وسائل الإتصال (الظهور) أصبح على صاحب الأعمال والمبادرات أن يسوّق لنفسه سعيًا لأن يصل بذاته إلى مستوىً من القبول لدى الناس يجعلونه نموذجًا وقدوة، لا أتكلم عن الشركات والمؤسسات التي تروّج لمنتجاتها، فاستخدام وسائل الإتصال الاجتماعي في بدايتها تعطيك المجال لطرح أفكارك، ولكننا في عصر مختلف  يجعل من الأشخاص يسوقون لأنفسهم وكأنهم قدوة صحيحة، وأن الآخرين إذا ما سلكوا طريقهم فإنهم سيصلون إلى نهاية نفق الحياة المظلم، إلى النور الذي يفتقدونه... فما الذي يحدث؟

هناك العديد من الأسباب وراء هذا الأمر، فالشاب منّا وعلى صعيد بداية حصاد الإنجازات البسيطة والخبرات سيُصنف الناس من حوله أصنافًا ثلاث:
الصنف الأول: مجامل نافخ، يقوم بالتهويل والتضخيم وكأن هذا الإنجاز غير مسبوقٍ في هذه الدنيا، بالنسبة لذات الشخص فإن تخطي حدود الراحة والقيام بالجديد واكتساب الخبرة يضيف شعورًا بالسعادة والرضا مع النفس، ولكن مع وجود مجموعة من المادحين فإن الشعور بالعجب بالذات ينمو ويكبر، وأعظم بلاءٍ على الإنسان أن يغتر بعمله، ويفكر في الاستمرار في ذلك العمل من اجل بقاء هذه الفئة المجاملة، وبالتالي ستتبادر في ذهنه عدة أفكارٍ وأسئلةٍ غيرِ صحيحة من حيث المبدأ وهي.. كيف أبدو وأنا اقوم بالإنجاز (بغض النظر عن العمل)؟ أنا إنسان مؤثرٌ.. بدلالة الإنتشار الواسع الذي وصلت إليه، الأرقام تتحدث عن ذلك. ومن هذا القبيل من الأفكار التي تجعل الإنسان يُعجب بنفسه دون بحث عن قياسٍ صحيح للأثر.

الصنف الثاني: ناقد جاحد، ونظرًا لوجود فئة من المجاملين والمطبلين يقوم هذا الناقد بالمهاجمة والانتقاد والتصيّد في بعض الأحيان، يدفعه ذلك السعي في توصيل فكرة ما من الإنتقاد مع  وجود الغيظ الذي يشقق صدره نتيجة رؤية المجاملين وما يفعلونه، فيبتعد عن الموضوعية والتوازن في الطرح وقد نهانا ديننا عن ذلك (ولا تبخسوا الناس أشياءهم)، فيلجأ إلى لفت النظر بالصراخ والعويل واستخدام ألفاظٍ رنانة، فيقوم الشاب بتجاهل ذلك الصوت، فإن كانت فطرته قد شوهت ببعض السلوكيات المشينة  قد يجيّش المتابعين (المجاملين) ليتصدوا له بكل ما أوتوا من قوة، .. فيبقى هو الحمل الوديع الخالي من العيوب.

الصنف الثالث: بعيدٌ عن هذا وذاك وليس بينهم، لا يريد التأثر بالمجاملين.. فلا يمدح الإنجاز خشية أن يعتبره المجتمع كذلك، ولا يريد أن ينتقد انتقادًا موضوعيًا على الملأ فيصنفه المجاملون في الخانة السلبية فيفضّل الابتعاد ويقول لنفسه: " ما لي ولهذا الأمر ؟!" وحيث أن الإنتقاد الموضوعي صار مُجهدًا في زمننا هذا، حيث أنك إذا أردت ان تنتقد أحدًا بشكل سليم أسرفت في سرد الكلمات كمقدمة لتُثبت حسن نيتك، وأنك لست بالناقد الجارح الذي يصطاد النقطة العتماء في الثوب الأبيض الناصع، مما يعرض نصيحتك للإبتذال.

ومن هنا أقول، بأن الشهرة بين الناس على وسائل التواصل الإجتماعي نعمة.. إذا ما استطاع الشاب أن يحقق أثرًا حقيقيًا لينقل مجتمعه إلى حالة فكرية وسلوكية أفضل، وإذا ما استشعر ذلك الشاب من من متابعينه الصغير والكبير، الشاب والشابة، وذلك يضيف إلى شخصيته شعورًا بالمسؤولية من أجل الرقي بالمجتمع. أما الجانب المظلم من الشهرة فهو العجب والاعتداد بالذات، وعدم الرضا بنقدها والانتقاص منها، والرغبة في تقزيم الآخرين وتحقير آرائهم، فيكون المجامل استدراجًا له، ويكون الناقد الجارح بلاءً عليه.

على الشاب منّا أن يتعود على استماع النقد، بل ويتوجه إليه ويطلبه، لازال يعلق في ذهني عندما أرافق الشيخ أيوب بن عيسى رشدان إلى صلاة الجمعة في درة البحرين، وبعد سماع الخطبة يطلب من مَن كان معه من الشباب أن ينتقد الخطبة ويعطي رأيه فيها، ومن ذلك يتعود الشاب أن يتكلم ويعطي رأيه بموضوعية وطلاقة.. وأنك أيها الشاب إذا ما كبرت فيجب عليك أن لا تنتظر النقد، بل اللازم عليك أن تتوجه إلى النخب وتسمع آراءهم فيما تقدم، فالنخبة العاقلة لن تأتيك مادمت قد أحطت نفسك بالمجاملين.. كما أن للنخب عملٌ آخر يركزون عليه ويريدون انجازه، فإن كنت معرِضًا عنهم فلن يجودوا عليك بنصيحة لم تبدي لها استعدادًا للإصغاء.

 ختامًا، انتقد هذه المقالة إن اردت.. وادعو لي بظهر الغيب فأنا في حاجة لذلك،  فاللهم اجعلنا ممن رفعت قدره، ممن سترت أو نشرت ذكره.

محمد حسن يوسف

الأحد، 22 أبريل 2018

الرجولة.. المصطلح المظلوم


إن الخوض في غمار هذه الحياة وسط الكثير من المعلومات والحوادث والأشخاص ينبغي أن يكون وفق مفاهيم ومبادئ أوضح من الشمس، فمن دون ذلك نجد بأن الشخص يتخبط يمنة ويسرة، فيصبح أعداء الأمس أحباب اليوم، وللغد شأن آخر .. يجامل ويداهن ويتساهل على حساب نفسه ومبادئه، وذلك ما لا ينبغي للإنسان أن يقوم به، ومن هنا يأتي خطابي للشباب الجامح القوي، الذي يعتقد بأن صك "الرجولة" مضمون وفق ما تتطلبه ذكوريته، أقول بأن "مقام" الرجولة يقتضي منك أشياء كثيرة، فإذا سألت نفسك سؤالًا بقولك:" إنني ابحث عن المرأة الحقيقية لأكمل معها حياتي المستقبلية" ..  هنا لابد أن نسألك: هل أنت "رجل" بالقدر الكافي؟


اعلم أول الأمر.. أن الله سبحانه وتعالى إذا فضّل شيئًا على آخر فهو بمقتضى المسؤولية الأكبر، فإذا قال الله تعالى: " الرجال قوامون على النساء" فهو يريد منك فعلًا يتناسب مع هذا التفضيل من الجانب الذي تقتضيه الآية، فلا ترفع أنفك على امرأة، ولا تحتقر مجتمع النساء وان بدت لك أفعال البعض منهم غير ما تحب وتعتاد، فللناس طبعٌ مجمل يصعب تغييره، وتذكر بأن الله سبحانه فضّل النساء على الرجال في موقع آخر حيث قال نبيه صلى الله عليه وسلم بثلاث مرات للتأكيد:" أمك، أمك، امك، ثم أبوك"، فهل تستطيع "كرجل" أن تبلغ ذلك المقام؟ لن تبلغه، لأن الله أعلم بخلقه.. وصنفهم كما شاء سبحانه، ووزع المسؤوليات والقدرات بما في استطاعتهم أن يفعلوه ويقوموا به.


وللخوض في غمار مسؤولية "الرجل"، لتبدأ أولًا بالتخلص من أوقات فراغك التي لا فائدة منها، إن الرجل قوّام على نفسه أولًا قبل أن يقوم على الآخرين، فلتبدأ ذلك بالاستغناء التدريجي عن الأوقات المضيعة، واجعل ساعات فراغك راحة بين جهد وجهد، واستعداداً لجهد آخر، الوقت من اعظم النعم بعد الإسلام.. ففيه تقوم بطاعة ربك، وفي تقوم ببر والديك، وفيه تقوم ببناء نفسك ومخزونك الفكري والعلمي والعملي، فلا ينبغي أن يضيع منك، فسّر السابقون وجود الفراغ بذاته بأنه مشكلة، ووفقًا للفظ الإمام الشافعي في ديوان شعره حيث وصفه بلفظ "المفسدة"، واعلم بأن الوقت لا يساوي الذهب .. بل هو أغلى، فإنه إذا ذهب لا يعود، أرأيت لو أن احد والديك كان بصحة وعافية، ثم انتكس بقدر الله وبات تحت رحمته والأجهزة، كنت ستفتديه بوقتك ليعيش وتبلغه رسالة خاصة من قلبك بأنك تحبه، فأنت "كرجل" لديه كامل الوقت في خدمة أهله وتولّي شؤون نفسه ليخفف الحمل عن من كان عليه الحمل.. لا ليزيده بعد أن خطّت لحيته، واستقوى عوده.


إن كان اتهام الرجل للمرأة بأنها عاطفية في المقام الأول، فإن الله سبحانه قد خلق الخلق مختلفين متكاملين، ليستقيم هذا بذاك، لذلك فينبغي للرجل أن يكون واقعيًا بالدرجة الأكبر، لا يسلم نفسه لغضبه وغروره، يفعل الأمر الصحيح .. لا الذي يريد أن يفعله ليرضي كبريائه، فإن كان الموقف يستدعي الاعتذار فاعتذر، وإن الموقف يستدعي الغضب فلا يجرنك التمادي فيه لأن تقوم بأشياء ستندم عليها لاحقًا، إن التحكم بالسلوك الخارجي للإنسان من اصعب الأمور التي لا يقدر على القيام بها الكثير من الذكور، لذلك يتصف خير الرجال بالحلم والحكمة والرزانة مع الحياء، ويُستبعد من مقام الرجال إلى آخر الصفوف المتهور منهم والغضوب، من الطبيعي أن يكون التحلي بالصفات الحميدة من أصعب الأشياء.. فضلًا عن اصلاح عيوب النفس التي قد تأخذ وقتًا ليس بالقصير، ولكن من الحمق التغافل عن ذلك، فإن العيب إذا غفل صاحبه عنه أوجد عيبًا آخر.. قد يكون اصلاحه اكثر صعوبة وتعقيدًا.


إن ما يخيف البعض من فكرة الاقتران والزواج هو موضوع "المسؤولية"، التي هي من صميم خلق الإنسان، وهذا ما استغربه فعلًا، فخلق الإنسان لم يقترن إلا مع امانةٍ ومسؤوليةٍ كلفه الله عز وجل بها، فإن لم يكن لنا مهمة نؤديها على هذه الأرض فنحن نستحق الاستبدال (وإن تتولّوا يستبدل قومًا غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم)، ثم مالنا نركز على مسؤوليات صغيرة كدفع فواتير الهاتف وخدمة الإنترنت وغيرها من الكماليات.. ونغفل عن أعظم المسؤوليات وهي تعمير هذه الأرض بما يرضي خالقنا؟! إن عدم التحلي بروح تحمل المسؤولية يسلب "الرجل" المبادرة والعمل وحب الرقي، ويحوله إلى "إنسان" يمارس وظائف عضوية واجتماعية محدودة، فإذا مات كان قليل الذكر أو بالكاد يقولون "رحمه الله"، أما عمر الرجل الحقيقي يمتد لما بعد وفاته، فذكر الناس لك بعد وفاتك عمرٌ آخر، وها هي نماذج الرجال تتوالى بين الفينة والأخرى، وما بين صفات الحلم والشجاعة والكرم تتبادر في أذهاننا أسماء وأشكال تحلّت بتلك الصفات، فلا تكن عاديًا.


على "الرجل" أن يفكّر بشكل دائم عن طرق تحسين الوضع الذي يعيش فيه، ولا اقتصر الجملة السابقة على الوضع المادي، بل ليوسع الدائرة من بيته إلى مجتمعه وأمته، وهذا درس تعلمته من "عباس بن فرناس" .. ذلك الأندلسي صاحب الاختراعات الكثيرة في الفيزياء والكيمياء وغيرها من التخصصات، حتى وإن كانت فكرة الطيران مجنونةً من حيث المبدأ، ولكن لرغبته في تحسين الوضع العلمي خاصةً وسط ذلك المجتمع المشجع للعلم والعلماء، فكان لزامًا على أهل العلم أن يبادروا للتحسين أكثر فأكثر، لقد غلّف "عباس" فكرته بالكثير من الواقعية، ودرس جوانب تطبيقها.. وخرج لنا بنتيجتين مهمتين من محاولته الطيران التي انتقل بها من الاستحالة البعيدة للطيران إلى الامكانية بعد الحاجة للدراسة المستوفية لسبب السقوط، النتيجة الأولى أن الإنسان بإمكانه أن يطير بطريقة ما.. والنتيجة الثانية بأن الإنسان لا يمكنه أن يطير بدون "ذيل".


 قد نجتهد لتحقيق جزءٍ من فكرتنا، ويأتي من خلفنا أُناس يطبقون فكرتنا كما نريد وأفضل، فلا يحزننا ذلك .. فصاحب رؤيا الأذان عندما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بها أجابه بقوله: " قم ولقنها بلالًا، فإنها أندى منك صوتًا". فلا يعينا عدم الوصول إلى نتيجة، بل يعينا غياب شرف المحاولة، فانفض غبار الكسل عن نفسك، ولا تحزن على ما فات.. إلا لتجتهد فيما هو آت، تلك هي بعض صفات الرجولة.. اذكركم ونفسي أولًا، لعل الله ينفعني بكم .

محمد حسن يوسف


الاثنين، 29 يناير 2018

النجاة من طريق التخلف


كنّا في ورشة تدريبية حول أخلاقيات المهنة قبل سنوات، وجرنا الحديث  مع المتحدث إلى مسألة ربط حزام الأمان في السيارة، فرفع أحدهم ييده قائلًا: " لم اربط حزام الأمان قط". فرد عليه المدرب بأسلوب لا أعرف كيف اقيمه.. لكن الغرض من رد المدرب كان زجر هذا الشخص وتوجيهه لربط حزام الأمان بقوله: "إذًا، فأنت متخلف عن الركب الحضاري". فما كان من "بوأحمد" إلا أنه استمر في عدم ربط الحزام.


التخلف (أي البقاء في الخلف) ليس بالأمر الذي يطلبه الإنسان بفطرته، بل العكس تمامًا.. فالإنسان مع مراحل الحياة المختلفة تجده يحاول أن يحسن من طرق عيشه ويترك الأثر، وأن يكتشف هذا الكون  ومن خلقه وإلى أين المصير، وبالنظر إلى حال المجتمعات السالفة والأمم الغابرة نجد بأن قوم عادٍ في الأحقاف تركوا من الأثر ما يصنف بأنه  حضارة عريقة (إرم ذات العماد)، ولكنهم لما أعرضوا عن السبب الحقيقي خلف وجودهم وهو الوصول إلى الخالق وعبادته ورضاه انتهت تلك الحضارة المادية، وتحولت أجسادهم القوية بفعل الريح إلى أعجاز نخلٍ خاوية، وكذلك العرب قديما.. فكم من معلقات شعرية خطتها أيديهم لازالت خالدةً إلى اليوم، مع ازدهار الحركة التجارية بين مكة المكرمة والشام، وفي ظل الإنتعاشات الاقتصادية بوجود  الحرم، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم أطلق على ذلك الزمن لفظ "الجاهلية".


التخلف العقائدي:

هاهي قريشٌ قبل زمن النبي صلى الله عليه وسلم تركع وتسجد لأصنام صنعتها، تعتقد بأنها تنفع وتضر من تلقاء نفسها، تذبح "الجزور" على اعتاب "العزّى" طلبًا لرضاها، يصنع أحدهم الصنم من التمر يعبده ويبجله، حتى إذا جاع أكل ربه، يخيّرون أصنامهم في امورهم الحياتية، وكأن الأصنام تنطق أو تعقل.

كأن غشاوةً غطت عقول القوم آنذاك فلا يبصرون ولا يهتدون سبيلًا فرمى بهم ربهم الأعلى إلى ذيل الأمم، وتقدم الأحباش والفرس والروم، وذلك من سنن الله في كونه، فإن لم تؤدي حق الله سبحانه وترجو الوصول إليه  فإن الله سيوكلك إلى نفسك.


فكن لنا ولا تكن علينا .. ولا تكلنا طرفةً إلينا

فما اطلقنا قوة للدفع .. وما استطعنا حيلة للنفع


بعضهم يرفض فكرة الإله الخالق البارئ من الأساس، والبعض الآخر يؤمن به.. فإذا جاءت التشريعات والأوامر الإلهية عكس ما يرغب ويريد نكص على عقبه، واختار من شرع الله ما يلائم رغباته ونزواته، وكأن شرع الله ثوبٌ نفصله على مقاسنا (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ).

تَعْصِي الإِله وَأنْتَ تُظْهِرُ حُبَّهُ, هذا محالٌ في القياس بديعُ

لَوْ كانَ حُبُّكَ صَادِقاً لأَطَعْتَهُ, إنَّ الْمُحِبَّ لِمَنْ يُحِبُّ مُطِيعُ


تلك العلاقة بين الرب والعبد، الرب يأمر فيُطاع.. والعبد ما بيده غير التسليم والإذعان، والتبرير وإعطاء الحكم أسلوب لا يستخدمه المولى في كل موضع ( لا يُسأل عمّا يفعل وهم يُسألون).. ولكنه تعالى يبرر أحيانًا .. ويضرب لنا المثل المادي لنستوعب ونفهم، وذلك من رحمته بنا سبحانه، ويُعرض أحيانًا فيأمرنا بدون ذكر سبب أو تلميح لحكمة، لأنه هو العظيم القهار الجبار.. فهل كانت علاقتنا مع مولانا علاقة حب لمن أنعم علينا وهدانا سبيل الوصول إليه؟ أم كانت مجرد فعل أشياءٍ تعودنا على فعلها.. أو لجوءٍ في الشدائد ونسيانٍ في الرخاء (فلما نجّاهم إلى البر إذا هم مشركون)؟



التخلف الأخلاقي:

يسير الرجل بابنته إلى صحراء قاحلة، يحفر حفرة فتتوسخ ثيابه من غبار التربة، تأتي البنت المسكينة لتمسح الغبار عن كتف أبيها ولم تعلم أن الحفرة التي أعدها والدها كانت لها، ليتم وأد المسكينة ودفنها خشية العار والشنار، فقط لأنها أنثى.


قويهم يأكل ضعيفهم، أشتاتٌ متناحرون، حروب تندلع ولا تخمد بسبب حصانٍ سبق آخر، خصومات وثارات، تفرق الشمل وضُعفت الكلمة، فساد التخلف الديار، ولم يحسب لهم عند الأعداءالحساب، وكأن التاريخ لا يمل من أن يعيد نفسه. فواقعنا مليء بالتجاوزات الأخلاقية انطلاقًا من البيت والتعامل مع الوالدين والزوجة، صلة الأرحام، المجتمع وما يحتويه من مخالفات كالغيبة والنميمة والفساد والرشوة وأكل أموال الناس بالباطل، كل ذلك مما يجعل المجتمع طبقاتٍ وفئاتٍ يتربص بعضها ببعض، حتى إذا أشرفت الفتنة كانوا لها وقودًا وشعلة على بعضهم، وإذا قدم عدوهم كانوا كالأرانب في حضرة الأسود.


ذلك كان حال قريشٍ والعرب بكل عام، حتى إذا بشّر النبي صلى الله عليه وسلم صحابته بقهر الإمبراطوريتين الفارسية والرومانية سخر المشركون منه عليه الصلاة والسلام، فمن تفرق شتات العرب أصبح شأن الأعاجم والروم عظيمًا في صدورهم، فاستصغروا ذواتهم في جنب عظماء وجبابرة الأرض، فلما اصبحوا بحبل وثيق مع خالقهم... وأسسوا مجتمعهم على الأخلاق بين جميع فئات المجتمع وأطيافه  بزرع الترابط والحب (لو أنفقت ما في الأرض جميعًا ما ألّفت بين قلوبهم ولكن الله ألّف بين قلوبهم) كان سقوط الروم في الشام ومصر، وسقوط المدائن في بلاد فارس بيد المسلمين، فتقدم المسلمون في مجالات الحرب والفلك، الكيمياء والفيزياء، الطب والرياضيات، علم الاجتماع والجغرافيا، وانفتحنا على الحضارات من حولنا واستفدنا من علومهم.


ذلك التقدم الحضاري المزدهر كان مستندًا على عقيدة مرتبطة بالله عز وجل في كل مناحي الحياة وليس في المسجد فقط، فالمسجد مركزٌ نتلقى فيه التعليمات لنطبقها في المجتمع لا لنفتح افواهنا وأعيننا متأثرين.. فإذا خرجنا من المسجد تبخّر ما سمعناه، لو سألت أعرابيًا في نجدٍ قائلًا:" هل تتصور بأن المسلمين سيدخلون القسطنطينية.. معقل الحكم البيزنطي؟ لرمى بعقلك إلى الجنون وأحلام اليقظة، ولكن المسلمين فعلوها ودكّوا حصون قسطنطين بسلطانٍ مسلم لم يتجاوز عمره اثنان وعشرون سنة، مستندًا على بشارات معلميه ومرشديه وملهميه، وبما أنعم الله سبحانه عليه من علوم الحرب والفلك والرياضيات، وبما يمتلكه رحمه الله من حبٍ لله قد ملأ فؤاده، الأحلام كبيرة.. وليس على الله سبحانه شيءٌ ببعيد، ولكن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.



محمد  حسن يوسف