الأحد، 1 يوليو 2018

انجازات الشباب .. والتسويق للذات


بينما يعمل الكثير من الناس على إظهار رقابهم من أجل اثبات الوجود، والبعض الآخر يرغب في إخفاء نفسه وأعماله.. بين هذا وذاك فوائد ومخاطر، ففي عصر تنوع وسائل الإتصال (الظهور) أصبح على صاحب الأعمال والمبادرات أن يسوّق لنفسه سعيًا لأن يصل بذاته إلى مستوىً من القبول لدى الناس يجعلونه نموذجًا وقدوة، لا أتكلم عن الشركات والمؤسسات التي تروّج لمنتجاتها، فاستخدام وسائل الإتصال الاجتماعي في بدايتها تعطيك المجال لطرح أفكارك، ولكننا في عصر مختلف  يجعل من الأشخاص يسوقون لأنفسهم وكأنهم قدوة صحيحة، وأن الآخرين إذا ما سلكوا طريقهم فإنهم سيصلون إلى نهاية نفق الحياة المظلم، إلى النور الذي يفتقدونه... فما الذي يحدث؟

هناك العديد من الأسباب وراء هذا الأمر، فالشاب منّا وعلى صعيد بداية حصاد الإنجازات البسيطة والخبرات سيُصنف الناس من حوله أصنافًا ثلاث:
الصنف الأول: مجامل نافخ، يقوم بالتهويل والتضخيم وكأن هذا الإنجاز غير مسبوقٍ في هذه الدنيا، بالنسبة لذات الشخص فإن تخطي حدود الراحة والقيام بالجديد واكتساب الخبرة يضيف شعورًا بالسعادة والرضا مع النفس، ولكن مع وجود مجموعة من المادحين فإن الشعور بالعجب بالذات ينمو ويكبر، وأعظم بلاءٍ على الإنسان أن يغتر بعمله، ويفكر في الاستمرار في ذلك العمل من اجل بقاء هذه الفئة المجاملة، وبالتالي ستتبادر في ذهنه عدة أفكارٍ وأسئلةٍ غيرِ صحيحة من حيث المبدأ وهي.. كيف أبدو وأنا اقوم بالإنجاز (بغض النظر عن العمل)؟ أنا إنسان مؤثرٌ.. بدلالة الإنتشار الواسع الذي وصلت إليه، الأرقام تتحدث عن ذلك. ومن هذا القبيل من الأفكار التي تجعل الإنسان يُعجب بنفسه دون بحث عن قياسٍ صحيح للأثر.

الصنف الثاني: ناقد جاحد، ونظرًا لوجود فئة من المجاملين والمطبلين يقوم هذا الناقد بالمهاجمة والانتقاد والتصيّد في بعض الأحيان، يدفعه ذلك السعي في توصيل فكرة ما من الإنتقاد مع  وجود الغيظ الذي يشقق صدره نتيجة رؤية المجاملين وما يفعلونه، فيبتعد عن الموضوعية والتوازن في الطرح وقد نهانا ديننا عن ذلك (ولا تبخسوا الناس أشياءهم)، فيلجأ إلى لفت النظر بالصراخ والعويل واستخدام ألفاظٍ رنانة، فيقوم الشاب بتجاهل ذلك الصوت، فإن كانت فطرته قد شوهت ببعض السلوكيات المشينة  قد يجيّش المتابعين (المجاملين) ليتصدوا له بكل ما أوتوا من قوة، .. فيبقى هو الحمل الوديع الخالي من العيوب.

الصنف الثالث: بعيدٌ عن هذا وذاك وليس بينهم، لا يريد التأثر بالمجاملين.. فلا يمدح الإنجاز خشية أن يعتبره المجتمع كذلك، ولا يريد أن ينتقد انتقادًا موضوعيًا على الملأ فيصنفه المجاملون في الخانة السلبية فيفضّل الابتعاد ويقول لنفسه: " ما لي ولهذا الأمر ؟!" وحيث أن الإنتقاد الموضوعي صار مُجهدًا في زمننا هذا، حيث أنك إذا أردت ان تنتقد أحدًا بشكل سليم أسرفت في سرد الكلمات كمقدمة لتُثبت حسن نيتك، وأنك لست بالناقد الجارح الذي يصطاد النقطة العتماء في الثوب الأبيض الناصع، مما يعرض نصيحتك للإبتذال.

ومن هنا أقول، بأن الشهرة بين الناس على وسائل التواصل الإجتماعي نعمة.. إذا ما استطاع الشاب أن يحقق أثرًا حقيقيًا لينقل مجتمعه إلى حالة فكرية وسلوكية أفضل، وإذا ما استشعر ذلك الشاب من من متابعينه الصغير والكبير، الشاب والشابة، وذلك يضيف إلى شخصيته شعورًا بالمسؤولية من أجل الرقي بالمجتمع. أما الجانب المظلم من الشهرة فهو العجب والاعتداد بالذات، وعدم الرضا بنقدها والانتقاص منها، والرغبة في تقزيم الآخرين وتحقير آرائهم، فيكون المجامل استدراجًا له، ويكون الناقد الجارح بلاءً عليه.

على الشاب منّا أن يتعود على استماع النقد، بل ويتوجه إليه ويطلبه، لازال يعلق في ذهني عندما أرافق الشيخ أيوب بن عيسى رشدان إلى صلاة الجمعة في درة البحرين، وبعد سماع الخطبة يطلب من مَن كان معه من الشباب أن ينتقد الخطبة ويعطي رأيه فيها، ومن ذلك يتعود الشاب أن يتكلم ويعطي رأيه بموضوعية وطلاقة.. وأنك أيها الشاب إذا ما كبرت فيجب عليك أن لا تنتظر النقد، بل اللازم عليك أن تتوجه إلى النخب وتسمع آراءهم فيما تقدم، فالنخبة العاقلة لن تأتيك مادمت قد أحطت نفسك بالمجاملين.. كما أن للنخب عملٌ آخر يركزون عليه ويريدون انجازه، فإن كنت معرِضًا عنهم فلن يجودوا عليك بنصيحة لم تبدي لها استعدادًا للإصغاء.

 ختامًا، انتقد هذه المقالة إن اردت.. وادعو لي بظهر الغيب فأنا في حاجة لذلك،  فاللهم اجعلنا ممن رفعت قدره، ممن سترت أو نشرت ذكره.

محمد حسن يوسف

الأحد، 22 أبريل 2018

الرجولة.. المصطلح المظلوم


إن الخوض في غمار هذه الحياة وسط الكثير من المعلومات والحوادث والأشخاص ينبغي أن يكون وفق مفاهيم ومبادئ أوضح من الشمس، فمن دون ذلك نجد بأن الشخص يتخبط يمنة ويسرة، فيصبح أعداء الأمس أحباب اليوم، وللغد شأن آخر .. يجامل ويداهن ويتساهل على حساب نفسه ومبادئه، وذلك ما لا ينبغي للإنسان أن يقوم به، ومن هنا يأتي خطابي للشباب الجامح القوي، الذي يعتقد بأن صك "الرجولة" مضمون وفق ما تتطلبه ذكوريته، أقول بأن "مقام" الرجولة يقتضي منك أشياء كثيرة، فإذا سألت نفسك سؤالًا بقولك:" إنني ابحث عن المرأة الحقيقية لأكمل معها حياتي المستقبلية" ..  هنا لابد أن نسألك: هل أنت "رجل" بالقدر الكافي؟


اعلم أول الأمر.. أن الله سبحانه وتعالى إذا فضّل شيئًا على آخر فهو بمقتضى المسؤولية الأكبر، فإذا قال الله تعالى: " الرجال قوامون على النساء" فهو يريد منك فعلًا يتناسب مع هذا التفضيل من الجانب الذي تقتضيه الآية، فلا ترفع أنفك على امرأة، ولا تحتقر مجتمع النساء وان بدت لك أفعال البعض منهم غير ما تحب وتعتاد، فللناس طبعٌ مجمل يصعب تغييره، وتذكر بأن الله سبحانه فضّل النساء على الرجال في موقع آخر حيث قال نبيه صلى الله عليه وسلم بثلاث مرات للتأكيد:" أمك، أمك، امك، ثم أبوك"، فهل تستطيع "كرجل" أن تبلغ ذلك المقام؟ لن تبلغه، لأن الله أعلم بخلقه.. وصنفهم كما شاء سبحانه، ووزع المسؤوليات والقدرات بما في استطاعتهم أن يفعلوه ويقوموا به.


وللخوض في غمار مسؤولية "الرجل"، لتبدأ أولًا بالتخلص من أوقات فراغك التي لا فائدة منها، إن الرجل قوّام على نفسه أولًا قبل أن يقوم على الآخرين، فلتبدأ ذلك بالاستغناء التدريجي عن الأوقات المضيعة، واجعل ساعات فراغك راحة بين جهد وجهد، واستعداداً لجهد آخر، الوقت من اعظم النعم بعد الإسلام.. ففيه تقوم بطاعة ربك، وفي تقوم ببر والديك، وفيه تقوم ببناء نفسك ومخزونك الفكري والعلمي والعملي، فلا ينبغي أن يضيع منك، فسّر السابقون وجود الفراغ بذاته بأنه مشكلة، ووفقًا للفظ الإمام الشافعي في ديوان شعره حيث وصفه بلفظ "المفسدة"، واعلم بأن الوقت لا يساوي الذهب .. بل هو أغلى، فإنه إذا ذهب لا يعود، أرأيت لو أن احد والديك كان بصحة وعافية، ثم انتكس بقدر الله وبات تحت رحمته والأجهزة، كنت ستفتديه بوقتك ليعيش وتبلغه رسالة خاصة من قلبك بأنك تحبه، فأنت "كرجل" لديه كامل الوقت في خدمة أهله وتولّي شؤون نفسه ليخفف الحمل عن من كان عليه الحمل.. لا ليزيده بعد أن خطّت لحيته، واستقوى عوده.


إن كان اتهام الرجل للمرأة بأنها عاطفية في المقام الأول، فإن الله سبحانه قد خلق الخلق مختلفين متكاملين، ليستقيم هذا بذاك، لذلك فينبغي للرجل أن يكون واقعيًا بالدرجة الأكبر، لا يسلم نفسه لغضبه وغروره، يفعل الأمر الصحيح .. لا الذي يريد أن يفعله ليرضي كبريائه، فإن كان الموقف يستدعي الاعتذار فاعتذر، وإن الموقف يستدعي الغضب فلا يجرنك التمادي فيه لأن تقوم بأشياء ستندم عليها لاحقًا، إن التحكم بالسلوك الخارجي للإنسان من اصعب الأمور التي لا يقدر على القيام بها الكثير من الذكور، لذلك يتصف خير الرجال بالحلم والحكمة والرزانة مع الحياء، ويُستبعد من مقام الرجال إلى آخر الصفوف المتهور منهم والغضوب، من الطبيعي أن يكون التحلي بالصفات الحميدة من أصعب الأشياء.. فضلًا عن اصلاح عيوب النفس التي قد تأخذ وقتًا ليس بالقصير، ولكن من الحمق التغافل عن ذلك، فإن العيب إذا غفل صاحبه عنه أوجد عيبًا آخر.. قد يكون اصلاحه اكثر صعوبة وتعقيدًا.


إن ما يخيف البعض من فكرة الاقتران والزواج هو موضوع "المسؤولية"، التي هي من صميم خلق الإنسان، وهذا ما استغربه فعلًا، فخلق الإنسان لم يقترن إلا مع امانةٍ ومسؤوليةٍ كلفه الله عز وجل بها، فإن لم يكن لنا مهمة نؤديها على هذه الأرض فنحن نستحق الاستبدال (وإن تتولّوا يستبدل قومًا غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم)، ثم مالنا نركز على مسؤوليات صغيرة كدفع فواتير الهاتف وخدمة الإنترنت وغيرها من الكماليات.. ونغفل عن أعظم المسؤوليات وهي تعمير هذه الأرض بما يرضي خالقنا؟! إن عدم التحلي بروح تحمل المسؤولية يسلب "الرجل" المبادرة والعمل وحب الرقي، ويحوله إلى "إنسان" يمارس وظائف عضوية واجتماعية محدودة، فإذا مات كان قليل الذكر أو بالكاد يقولون "رحمه الله"، أما عمر الرجل الحقيقي يمتد لما بعد وفاته، فذكر الناس لك بعد وفاتك عمرٌ آخر، وها هي نماذج الرجال تتوالى بين الفينة والأخرى، وما بين صفات الحلم والشجاعة والكرم تتبادر في أذهاننا أسماء وأشكال تحلّت بتلك الصفات، فلا تكن عاديًا.


على "الرجل" أن يفكّر بشكل دائم عن طرق تحسين الوضع الذي يعيش فيه، ولا اقتصر الجملة السابقة على الوضع المادي، بل ليوسع الدائرة من بيته إلى مجتمعه وأمته، وهذا درس تعلمته من "عباس بن فرناس" .. ذلك الأندلسي صاحب الاختراعات الكثيرة في الفيزياء والكيمياء وغيرها من التخصصات، حتى وإن كانت فكرة الطيران مجنونةً من حيث المبدأ، ولكن لرغبته في تحسين الوضع العلمي خاصةً وسط ذلك المجتمع المشجع للعلم والعلماء، فكان لزامًا على أهل العلم أن يبادروا للتحسين أكثر فأكثر، لقد غلّف "عباس" فكرته بالكثير من الواقعية، ودرس جوانب تطبيقها.. وخرج لنا بنتيجتين مهمتين من محاولته الطيران التي انتقل بها من الاستحالة البعيدة للطيران إلى الامكانية بعد الحاجة للدراسة المستوفية لسبب السقوط، النتيجة الأولى أن الإنسان بإمكانه أن يطير بطريقة ما.. والنتيجة الثانية بأن الإنسان لا يمكنه أن يطير بدون "ذيل".


 قد نجتهد لتحقيق جزءٍ من فكرتنا، ويأتي من خلفنا أُناس يطبقون فكرتنا كما نريد وأفضل، فلا يحزننا ذلك .. فصاحب رؤيا الأذان عندما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بها أجابه بقوله: " قم ولقنها بلالًا، فإنها أندى منك صوتًا". فلا يعينا عدم الوصول إلى نتيجة، بل يعينا غياب شرف المحاولة، فانفض غبار الكسل عن نفسك، ولا تحزن على ما فات.. إلا لتجتهد فيما هو آت، تلك هي بعض صفات الرجولة.. اذكركم ونفسي أولًا، لعل الله ينفعني بكم .

محمد حسن يوسف


الاثنين، 29 يناير 2018

النجاة من طريق التخلف


كنّا في ورشة تدريبية حول أخلاقيات المهنة قبل سنوات، وجرنا الحديث  مع المتحدث إلى مسألة ربط حزام الأمان في السيارة، فرفع أحدهم ييده قائلًا: " لم اربط حزام الأمان قط". فرد عليه المدرب بأسلوب لا أعرف كيف اقيمه.. لكن الغرض من رد المدرب كان زجر هذا الشخص وتوجيهه لربط حزام الأمان بقوله: "إذًا، فأنت متخلف عن الركب الحضاري". فما كان من "بوأحمد" إلا أنه استمر في عدم ربط الحزام.


التخلف (أي البقاء في الخلف) ليس بالأمر الذي يطلبه الإنسان بفطرته، بل العكس تمامًا.. فالإنسان مع مراحل الحياة المختلفة تجده يحاول أن يحسن من طرق عيشه ويترك الأثر، وأن يكتشف هذا الكون  ومن خلقه وإلى أين المصير، وبالنظر إلى حال المجتمعات السالفة والأمم الغابرة نجد بأن قوم عادٍ في الأحقاف تركوا من الأثر ما يصنف بأنه  حضارة عريقة (إرم ذات العماد)، ولكنهم لما أعرضوا عن السبب الحقيقي خلف وجودهم وهو الوصول إلى الخالق وعبادته ورضاه انتهت تلك الحضارة المادية، وتحولت أجسادهم القوية بفعل الريح إلى أعجاز نخلٍ خاوية، وكذلك العرب قديما.. فكم من معلقات شعرية خطتها أيديهم لازالت خالدةً إلى اليوم، مع ازدهار الحركة التجارية بين مكة المكرمة والشام، وفي ظل الإنتعاشات الاقتصادية بوجود  الحرم، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم أطلق على ذلك الزمن لفظ "الجاهلية".


التخلف العقائدي:

هاهي قريشٌ قبل زمن النبي صلى الله عليه وسلم تركع وتسجد لأصنام صنعتها، تعتقد بأنها تنفع وتضر من تلقاء نفسها، تذبح "الجزور" على اعتاب "العزّى" طلبًا لرضاها، يصنع أحدهم الصنم من التمر يعبده ويبجله، حتى إذا جاع أكل ربه، يخيّرون أصنامهم في امورهم الحياتية، وكأن الأصنام تنطق أو تعقل.

كأن غشاوةً غطت عقول القوم آنذاك فلا يبصرون ولا يهتدون سبيلًا فرمى بهم ربهم الأعلى إلى ذيل الأمم، وتقدم الأحباش والفرس والروم، وذلك من سنن الله في كونه، فإن لم تؤدي حق الله سبحانه وترجو الوصول إليه  فإن الله سيوكلك إلى نفسك.


فكن لنا ولا تكن علينا .. ولا تكلنا طرفةً إلينا

فما اطلقنا قوة للدفع .. وما استطعنا حيلة للنفع


بعضهم يرفض فكرة الإله الخالق البارئ من الأساس، والبعض الآخر يؤمن به.. فإذا جاءت التشريعات والأوامر الإلهية عكس ما يرغب ويريد نكص على عقبه، واختار من شرع الله ما يلائم رغباته ونزواته، وكأن شرع الله ثوبٌ نفصله على مقاسنا (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ).

تَعْصِي الإِله وَأنْتَ تُظْهِرُ حُبَّهُ, هذا محالٌ في القياس بديعُ

لَوْ كانَ حُبُّكَ صَادِقاً لأَطَعْتَهُ, إنَّ الْمُحِبَّ لِمَنْ يُحِبُّ مُطِيعُ


تلك العلاقة بين الرب والعبد، الرب يأمر فيُطاع.. والعبد ما بيده غير التسليم والإذعان، والتبرير وإعطاء الحكم أسلوب لا يستخدمه المولى في كل موضع ( لا يُسأل عمّا يفعل وهم يُسألون).. ولكنه تعالى يبرر أحيانًا .. ويضرب لنا المثل المادي لنستوعب ونفهم، وذلك من رحمته بنا سبحانه، ويُعرض أحيانًا فيأمرنا بدون ذكر سبب أو تلميح لحكمة، لأنه هو العظيم القهار الجبار.. فهل كانت علاقتنا مع مولانا علاقة حب لمن أنعم علينا وهدانا سبيل الوصول إليه؟ أم كانت مجرد فعل أشياءٍ تعودنا على فعلها.. أو لجوءٍ في الشدائد ونسيانٍ في الرخاء (فلما نجّاهم إلى البر إذا هم مشركون)؟



التخلف الأخلاقي:

يسير الرجل بابنته إلى صحراء قاحلة، يحفر حفرة فتتوسخ ثيابه من غبار التربة، تأتي البنت المسكينة لتمسح الغبار عن كتف أبيها ولم تعلم أن الحفرة التي أعدها والدها كانت لها، ليتم وأد المسكينة ودفنها خشية العار والشنار، فقط لأنها أنثى.


قويهم يأكل ضعيفهم، أشتاتٌ متناحرون، حروب تندلع ولا تخمد بسبب حصانٍ سبق آخر، خصومات وثارات، تفرق الشمل وضُعفت الكلمة، فساد التخلف الديار، ولم يحسب لهم عند الأعداءالحساب، وكأن التاريخ لا يمل من أن يعيد نفسه. فواقعنا مليء بالتجاوزات الأخلاقية انطلاقًا من البيت والتعامل مع الوالدين والزوجة، صلة الأرحام، المجتمع وما يحتويه من مخالفات كالغيبة والنميمة والفساد والرشوة وأكل أموال الناس بالباطل، كل ذلك مما يجعل المجتمع طبقاتٍ وفئاتٍ يتربص بعضها ببعض، حتى إذا أشرفت الفتنة كانوا لها وقودًا وشعلة على بعضهم، وإذا قدم عدوهم كانوا كالأرانب في حضرة الأسود.


ذلك كان حال قريشٍ والعرب بكل عام، حتى إذا بشّر النبي صلى الله عليه وسلم صحابته بقهر الإمبراطوريتين الفارسية والرومانية سخر المشركون منه عليه الصلاة والسلام، فمن تفرق شتات العرب أصبح شأن الأعاجم والروم عظيمًا في صدورهم، فاستصغروا ذواتهم في جنب عظماء وجبابرة الأرض، فلما اصبحوا بحبل وثيق مع خالقهم... وأسسوا مجتمعهم على الأخلاق بين جميع فئات المجتمع وأطيافه  بزرع الترابط والحب (لو أنفقت ما في الأرض جميعًا ما ألّفت بين قلوبهم ولكن الله ألّف بين قلوبهم) كان سقوط الروم في الشام ومصر، وسقوط المدائن في بلاد فارس بيد المسلمين، فتقدم المسلمون في مجالات الحرب والفلك، الكيمياء والفيزياء، الطب والرياضيات، علم الاجتماع والجغرافيا، وانفتحنا على الحضارات من حولنا واستفدنا من علومهم.


ذلك التقدم الحضاري المزدهر كان مستندًا على عقيدة مرتبطة بالله عز وجل في كل مناحي الحياة وليس في المسجد فقط، فالمسجد مركزٌ نتلقى فيه التعليمات لنطبقها في المجتمع لا لنفتح افواهنا وأعيننا متأثرين.. فإذا خرجنا من المسجد تبخّر ما سمعناه، لو سألت أعرابيًا في نجدٍ قائلًا:" هل تتصور بأن المسلمين سيدخلون القسطنطينية.. معقل الحكم البيزنطي؟ لرمى بعقلك إلى الجنون وأحلام اليقظة، ولكن المسلمين فعلوها ودكّوا حصون قسطنطين بسلطانٍ مسلم لم يتجاوز عمره اثنان وعشرون سنة، مستندًا على بشارات معلميه ومرشديه وملهميه، وبما أنعم الله سبحانه عليه من علوم الحرب والفلك والرياضيات، وبما يمتلكه رحمه الله من حبٍ لله قد ملأ فؤاده، الأحلام كبيرة.. وليس على الله سبحانه شيءٌ ببعيد، ولكن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.



محمد  حسن يوسف


الأحد، 14 يناير 2018

الزواج والشاب.. منظومة القيم


الاهتمام بتكوين الأسرة تكوينًا صحيحًا لا ينبغي أن يغيب عن ذهن كل عاقل، فكل أسرةٍ هي نواةٌ لمجتمعٍ زاهر، غير أن اندفاع الشاب للزواج يجب أن يكون مؤطرًا في منظومة من القيم الرفيعة، كثيرًا ما يردد الشاب عند وضعه العراقيل في طريق الزواج بقوله :"انا مو جاهز" ويعني بها الجاهزية المادية، فهل الشاب منّا يتجهز للزواج فكريًا؟!

أروقة المحاكم والنسب التي تخرج منها بحالات طلاق "مفزعة" تثبت غير ذلك، والأسباب المؤدية إلى ذلك الطلاق تصب في خانة عدم التهيئة الصحيحة.. علمًا بأن منظومة القيم لا يتجلى ظهورها وقت الراحة والأنس، بل يتجلي ظهورها وقت القلاقل والمشاكل، نوه بذلك الله عز وجل في سرده لأحكام الطلاق والانفصال في نهاية المطاف عندما قال تعالى:"ولا تنسوا الفضل بينكم". عندما تئن نفسك من الداخل وتحثك على أعمالٍ شيطانية تجد أنك مرتبطٌ بحبل وثيق يجرك ولا يطاوع ما بنفسك من شرورٍ وجهل، لذا وجب ضبط النفس بمنظومة من القيم تجعل من حياتك الزوجية حياةً مباركةً رغيدة.

الخوف من الله تعالى:

من أمِن العقوبة أساء الأدب، وهل تكون بمأمنٍ من الله سبحانه ومن عقوبته؟ إذًا فلا تظلم الطرف الآخر في ميثاقكما فإنه غليظ، ومن ورائه حسابٌ عسير، ولا تلتبس بظلمٍ أو قهر، وتذكر قدرة الله سبحانه عليك، وأنه مطّلع على ما يظهر من فعلك.. وما يخفى في قلبك، ستقف يومًا أمام المولى ليسألك عن صاحبتك، فإن ظلمتها أو قهرتها بدون وجه حق فماذا سيكون جوابك؟ اجعل خوفك من الله رادعًا يعيدك إلى حضن العمل الصحيح ، ولا يسلمك إلى هوى نفسك وتقلبات قلبك.

الحياء:

الحياء إيمان، فهو من الأخلاق الرفيعة التي تمنعك من الوقوع في المعيب من الأمور.. فهل سمعت الناس يقولون لأحدهم:" ماتستحي؟" لأنه قام بخطءٍ علني ظاهر فلم يردعه حياؤه، وهو يختلف بالكلية عن الخجل.. ذلك الشعور باستنقاص الذات وكأنك تظن بأنك أقل من أن تحقق انجازًا معينًا، أو نقصًا لا يمكّنك من القيام بمهمة معينة، لا تفضيل بذلك لجنس على آخر، فلا يكون الحياء جمالًا في المرأة ودون ذلك للرجل، يعجبني الرجل إذ يستحي، صحيحٌ أن حياة الرجل تقتضي في العديد من الأمور الشدة والشجاعة ، وذلك لا يتنافى كونه وقّافًا على حدود المعيب من الأقوال والأفعال.

معرفة الحقوق والواجبات:

يا من عزمت على الارتباط بعقدٍ ما، فهل جلست لتقرأ حقوقك وواجباتك؟ إن لم تكن كذلك فسيُقال عنك بأنك أحمق، وتكون بذلك عرضةً للسرقة والاحتيال، هذا من شأن الدنيا.. وشأن الارتباط بعقد الزواج يدفعك أولاً لتقرأ في فقهيات الزواج، الشروط والأحكام، ما يقتضيه هذا العقد من واجباتٍ تقع على كاهلك، ومن حقوقٍ كفلها لك الشرع، فهل تعتقد بأن حقوقك "الشرعية" هي ما تقوم به والدتك لوالدك بالكليّة أمام عينيك في المنزل؟ لا.. إذًا لماذا يقوم والداك بكل ذلك؟ لأنهما وصلا من التفاهم إلى درجةٍ اصبح احدهما يقوم بخدمات إضافية فوق الحقوق الشرعية تعبيرًا عن المحبة، فيقوم الطرق الآخر برد الجميل بالقيام بالمثل، فترى أنت أيها الإبن ذلك.. فتحدث الفجوة بين الماضي والحاضر.. وذلك من جهلك وضعف بصرك.

الأقفال والمفاتيح:

اعلم أن القلوب لها مفاتيح كما الأقفال، فإن استشعر الطرف الآخر بأنك تملك المفتاح أراح واستراح، والمفاتيح اعني بها بأن تعلم ما يريح الطرف الآخر فتفعله، وتعلم ما يضره فتتجنبه، وتجتهد في سبيل رضاه لتنعم بحياتك، ليس بالإجبار والقهر.. بل بالمحبة والذكاء والفطنة، ومعرفة أنماط الشخصيات المختلفة، والتقلبات "الفسيولوجية" المحتملة والمعروفة، كل ذلك في سبيل خلق حالة من التوافق التام بينك وبين الطرف الآخر.

الحب:

يتشكّل مما سبق من الأمور المذكورة تناسبٌ بين فطرتين وارتياح كبير، شيءٌ ما يُشعرك بالسلام الداخلي الذي لا يستطيع أن يعكّر صفوه ضجيج الخارج، فإن إلى محبوبك في اطمئنان وسلامٍ ينجلي عنك ما كانت الدنيا تضيق عليك به، ينجلي عنك هم عملٍ قد تقوم به في عكس رغبتك، ينجلي عنك هم أُناس تعاشرهم ولست ترغب في تحمّل  ذلك.. في مجتمع لا يخلو من أهل الكذب والنفاق والفتن، تجد نفسك صلبًا جلدًا في وجه ذلك، ولكنك لا تستطيع تحمل مشكلة بسيطة في البيت، لأن ذلك يعكر في الصميم صفو السلام في داخلك، ويدخلك في حالة اللاتوازن فيُربك حياتك.

تذكر حينها المروءة ومحاسن الأخلاق لتقوم بالسلوك الحسن.. وليس السلوك الحسن بالضرورة هو ما تشتهيه نفسك، بل منضبطًا بالمنظومة، بدون اخلال أو تفريط او انجرارٍ إلى هوى النفس.

محمد حسن يوسف






الخميس، 2 نوفمبر 2017

الرياء.. حيث لا يراك أحد


في سطوري هذه أحاول تناول الموضوع من وجهة نظر لا يلتفت إليها كثيرون، اعلم أن الموضوع قد قُتل كتابةً ومناقشةً وكيلاً للاتهامات يمنةً ويسرة، واعلم أن الحكم على نوايا الآخرين ليس من شأن الإنسان قاصر النظرة والعلم، ولكن.. دعك من الآخرين، لننظر إلى أنفسنا.. فمن سخّر نفسه ليحكم على نوايا الآخرين يُستدل بذلك على فراغٍ في نفسه وجهالة، كل ما سبق قد أُشبع كلامًا.. فما الجديد؟!

دعنا أولا نقف عند مصطلح الرياء لنصل إلى فكرتنا بوضوح، الرياء هو" أي (طاعة) يقوم بها الإنسان من أجل أن ينال استحسان الآخرين"، فلا يدخل في هذا التعريف العادات اليومية التي يقوم بها الإنسان من الاهتمام بمظهره وهندامه وسلوكه العام الذي يراعي الفرد فيه المجتمع، نجد بعد ذلك أن الرياء قد يختلط بعمل الإنسان.. فقد يتداخل مع جزءٍ من الطاعة، وقد يسيطر عليها كلها.. فيحبط العمل ويذهب هباءً منثورًا، ولكن.. دعنا نتفكر في نوعٍ من الرياء، خطير وفتاك.. يلحق بك ربما بعد عملك المخلص، وتكمن خطورة هذا النوع من الرياء هي أنك قمت بتلك الطاعة "وحدك" بعيدًا عن أعين الآخرين.

يتوجه الفرد منّا إلى عمل الطاعات وخدمة المجتمع بالإعمال التطوعية المتنوعة بتوفيق من الله عز وجلّ، ولكن ذلك لا يعني بأن ذلك الفرد اصبح بمعزلٍ عن امراض النفس، فإذا لم يتم تقديره كما يجب قام يُحدِّث نفسه قائلاً:" انا من فعلت كذا وكذا وكذا، لماذا لا يتم تقديري بالشكل اللائق؟! لماذا لا يقدمني الناس في مجالسهم وأحاديثهم ويعطوني قدرًا من الاهتمام الذي استحقه كناشط اجتماعي وشبابي؟! لماذا تتجه تلك البقعة المضيئة إلى من لا يستحقون ؟! أقوم بإنتاج الكثير خدمةً للمجتمع فأين التكريم الذي استحقه؟! ، ومثل تلك الأسئلة كثيرة.. ومداخل السوء على نفسك البشرية لا تنقطع.. وكلما تفاعلت مع خواطر السوء كان الأثر سريعًا على تصرفاتك، فتحبط اعمالك التي فعلتها بإخلاصٍ وتفانٍ لأنك خالطتها برياءٍ وعجب، وتنسى أنك لم تفعل ما فعلت الا بتوفيق من الله سبحانه وتعالى.

تنظيف الملابس قد يأخذ وقتًا، كما أن بعض البقع يصعب ازالتها ويعسُر، فلا تكن ملابسك انظف من قلبك، وانظر في حالك واشغل عقلك بالتطور والتحسن لما في ذلك الأثر البليغ على نفسك وفكرك، فإن انشغلت بنيتك عن نوايا غيرك صغرت في عينك فكرة التحدث عن الرياء الا ما تخاف أن يخالط نفسك منه، واطرد خواطر السوء إن دفعتك على كشف حقيقة اعمالك إلى الناس بغرض نيل استحسانهم، صحح نيتك باستمرار لعلك تسلم، إن صلُح قلبك صلُح سائر جسدك، فإن لم تفعل فلا تأمن سهام الناس التي لن تصدق صدقك في عبوديّتك، لأن القلب إناء النية.. والإناء ينضح بما فيه.

محمد حسن يوسف


الجمعة، 22 سبتمبر 2017

ان لم تفعل.. فلا تتزوج !!


للوهلة الأولى وأنا أفكر في كتابة هذه السطور أحدث نفسي قائلاً: لست أهلاً للحديث عن هذا الموضوع، فهناك المختصين في هذا الشأن.. فأجد اصابعي تُقدِمُ ثم تُحجِم، ثم أقول لنفسي تارةً أخرى: ما أنا إلا شابٌ اكتب ما أراه، وادعو الآخرين ليرونه، فإن رأوا ما رأيت اتفقوا معي، وإن رأوا غير ذلك صحّحوا لي، فكلنا اخوانٌ كحزمة عودٍ يستقوي بعضنا بالآخر، كما أنني أرى بأن المبادر الأول في شأن الزواج هو ذلك كالشاب.. فوجب لي أن أتوجه لك ببعض الكلمات التي من شأنها تصحيح فكرك إذا اختلّ، وتعديل مسارك إذا ضلّ.. لأن المسألة ليست مجرد رغبة تبديها لأهلك بقولك "دوروا لي مره" ويُقضى بذلك الأمر.

عزيزي الشاب، إن مشروع الزواج أمره مختلفٌ تماماً عن بقية المشاريع التي ستقوم بها في حياتك، ذلك معلوم ... ولكن العديد من الشباب يدخل في خضم هذا الأمر بدون استشعارٍ لهذه الأهمية، وأول خطوات هذا الاستشعار أن تعرف حقوقك وواجباتك التي حددها لك الشارع بنصوصه، وحددتها لك أحوال المروءة والشهامة والرجولة، فلا تفرض على المرأة ما لا يجب عليها وتُقصّر انت فيما أمرك الله سبحانه به، فاذهب إلى شيخ دينٍ تأخذ منه الوصايا والأمور التي تجب عليك كزوج، وما الذي يجب عليها كزوجة، وأن تفرق بين ما تفعله المرأة رغبةً في كسب رضاك ولمنزلتك في قلبها وبين ما يجب عليها فعله كونها زوجة، لتنقي نفسك وذهنك من العادات والتقاليد التي لا تتوافق مع الشرع ولا تتواءم مع عصرنا الحاضر، إن لم تفعل.. فلا تتزوج.

اختلف ترتيب هذه النقطة مع ما قبلها بالنسبة لك عزيزي الشاب أم لا، فلا ضير في ذلك.. أسأل نفسك في عزلة ذهنية خالصة، ما هي مواصفات زوجتك المستقبلية؟ لا تكن سطحياً إلى حدٍ كبير في إيجاد أجوبةٍ أوليةٍ عن الشكل الخارجي، فالزواج أمره مختلفٌ تماماً عن شراء السيارة، إذا سألك أهلك عن تلك المواصفات فأجب عن الأطباع.. الأخلاق.. طريقة التفكير.. وعرض مواصفاتك انت ليتم البحث عن ما يلائمها خارج البيت (إن كان الزواج تقليدياً بطبيعة الحال)، من حقك ان تسأل عن الشكل وأن تراه .. فهذه من الأشياء البديهية التي لا تغيب عن عقل عامّي بسيط، ولكن إن نظرت إلى الشكل بدون تمعّن لما سبق فأنت (اسمح لي على هذه الكلمة) مجرد ابله، فإذا ما تقدمت وخطبت تلك الفتاة كن واضحاً معها في ما تريد منها وتتوقعه.. ذلك سيجعل الطرف الآخر في حالة استقرار ذهني، وستقوم هي بالمقابل بعرض امنياتها عن زوجها المستقبلي وما يناسب أفكارها.. وبعد ذلك يمكنك أخذ القرار النهائي براحة تامة، فإن لم تفعل.. فلا تقم بكسر الخواطر بجهالة وحمق وتتزوج من فتاة لا تناسبك، ثم تجعلها تعيش الموت وهي فوق الأرض.

"الرجال قوّامون على النساء".. أعطاك الله سبحانه القوامة، ولكنه وضعك موضع المسؤول (كلكم راعٍ وكلكم مسؤولٌ عن رعيته)، تلك المسؤولية تستوجب استعدادك للتخلي عن بعض العادات عند انتقالك إلى مرحلة الزواج، ولا ضير في ذلك.. ولا أجد من يتفاخر أمام أصدقائه بأنه لم يغيّر من عاداته من أجل أن يُقال عنه "ريّال" أي مساس بالنضج وتحمل المسؤولية، بل هو الطيش والغرور.. يولد المرء ذكراً، وتُكتسب الرجولة بعد ذلك، فإن كنت ستتصرف بما لا يقتضيه الشرع.. ولا تقتضيه مكارم الأخلاق والمروءة فراجع نفسك، فتوقيعك لعقد الزواج لا يعني بأنك استملكت المرأة.. بعضهم يقول في مجلس العقد في صيغة القبول "بإمساك بمعروف" وهو لا يحيط بالمعروف بشيء.. فإن اردت خوض غمار هذه الحياة الجديدة فلا تفعل ذلك بغير الجدية التامة والدعاء بالتسديد والرشاد وبذل الأسباب الصحيحة.. فإن لم يكن الأمر كذلك بالنسبة لك فاترك البنت عند أهلها معززةً مكرمة "واقعد انت عند امك".



ملاحظة: قد تبذل الأسباب الصحيحة لزواج صحيح.. ولكن إذا أراد الله سبحانه في علمه أن تعيش تجربةً فاشلة فستعيشها رغماً عنك، فلله الأمر من قبل ومن بعد.



محمد حسن

الخميس، 21 سبتمبر 2017

أمراض غير عضوية


نقف كثيرًا عند بعض الحواجز الحياتية متوهمين بأنه لا يمكننا العبور، ولا يمكننا التكيف والإنتاج والابداع.. انطلق في مقالي عبر حالة الكثير من الموظفين في دائرتي التي اعمل بها في يوم "السبت" تحديداً، فهو يوم خاص يتراكم فيه العمل بسبب إجازة نهاية الأسبوع "الجمعة"، فأجد الكثير من الزملاء يأتي ثقيلاً إلى الدائرة ويرغب في المساواة بينه وبين الموظفين الذي يأخذون اجازةً في يوم السبت، اسأل أحدهم سؤالاً مبطناً: "جم سنة صار لك على هالحال؟" فوجدت أن الإجابات تتصاعد ابتداءً من الرقم 10 إلى ال 30 سنة. أقول: بالرغم من كل تلك السنين.. ألم تتكيّف على هذا الوضع؟ إلى متى سيظل حالك التعيس؟ أم أن مواجهة العالم والرغبة في تغيير النظام من حولك اسهل من تغيير طباعك؟

إن الوصول إلى مستويات الحضارات المتقدمة كان بسبب خرق العوائد والخروج من منطقة الراحة، ذلك لأن الإنسان الحضاري يرغب في سلك مسلكٍ يمكنه من خلاله تحسين طرق العيش والبحث عن ظروفٍ وبيئةٍ تجعله انساناً منتجاً لا مجرد ثرثارٍ متزمت، فما المانع إن غيّر الفرد من عاداته واكتسب عاداتٍ جديدة نافعة؟ إن المرء في سبيله لوضع الخطة السليمة يجب عليه إن يخصص من وقته لتعويد النفس على فعل أشياء لم يكن يعملها.. وهو متيقنٌ بأن تلك العادات الجديدة أكثر نفعاً ونجاعةً وتأثيراً، اكتب أفعالك اليومية بشكل عام.. وحدد منها ما يقربك إلى أهدافك الفعلية من ناحية، ومن ناحية أخرى الأفعال التي تلقي بك إلى طريق الثرثرة والتقلبات النفسية المزاجية التي بحاجة إلى مراجعة وجودها والوقت الذي تستنزفه في كل ذلك.

أنا هنا لا ارسل الرسائل إلى ذلك الموظف التقليدي العادي، بل حتى إلى ذلك الطالب الجامعي المتذمر، والشاب الذي على أوضاعه متحسر، لأن الظروف وُجدت ليتم التغلب عليها لا لأن يتم تحييد النفس من خلالها.. قد يكون الكلام إيجابياً أكثر من اللازم، ولكنني أسعد أيما سعادةٍ عندما أكون تحت الضغط.. ويلهمني ربي جل جلاله المخرج من تلك الظروف، ولا أشعر بالخجل لأن الظروف جعلتني أقوم ببعض الأمور مجبراً، بل انا سعيدٌ لأنني استطعت تكييف نفسي وتجاوز الأمر.. ليس معنى ذلك بأنني لن اواجه لحظات الضغط والضعف والحيرة  مجدداً، ولكنها ظروف ستكون مختلفة لتصنع منك انساناً مختلفاً، ارقى وانفع لنفسك وأهلك وأمتك، فلك الخيار.. اختيارك إذا ما كان سلبياً فأرجو منك أن تعتزل العالم، فلسنا بحاجة إلى صانعي "النكد" و ضحايا "الكسل".

محمد حسن يوسف