الأربعاء، 11 مايو 2016

عليك أن تختار


الحمد لله المنعم الستّار.. مكوِّر الليل على النهار، والصلاة والسلام على سيد الثقلين المختار، وعلى الآل والأصحاب من مهاجرينٍ وأنصار، ومن سار على نهجهم إلى درب العِليّين الأبرار، اللهم أخرجني من ظلمات الوهم، وأكرمني بنور الفهم، وحسِّن أخلاقي بالحلم، وزدني من بركات العلم، واجعلني ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

يُولد الإنسان منّا على وجه لم يختر منه أياً من المقادير من حوله، فلم يكون لنا الخيار في الوطن الذي نعيش فيه، ولم نختر والدينا، لوننا، مجتمعنا، بل وحتى ديننا (فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)، ولكن.. هل هناك أشياء بإمكان الإنسان أن يختارها؟ أشياءٌ تحدد مصير حياته الدنيوية والأُخروية؟ نعم.. ليس ذلك فحسب، فالأشياء التي علينا اختيارها يجب أن تتم بدقة متناهية.. بعيدة عن شحنات الهوى ووسوسات شياطين الإنس والجن.

الدين:

يالي من متناقض، فقد قلت بأن الدين من الأشياء التي لم نخترها.. وذكرت نصاً استشهد به (فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)، ولكني هنا انظر إلى النص الشريف كاملاً: "ما من مولود الا ويولد بالفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه". ولم يقل صلى الله عليه وسلم "أو يأسلمانه" لأن الفطرة التي وُلد عليها الإنسان ستقوده حتماً إلى الإسلام ما إن استخدم آلة عقله بالشكل السليم، وهنا تأتي المعضلة العظمى.. فالمسلم بحسب علمه بدين الفطرة ينقسم إلى أقسام: الأول عالم بالدين، ضليع في علوم الشريعة المختلفة من فقه وحديث وعقيدة وما ينبثق من كل أولئك من علوم تم تنقيحها وتداولها على أُسس منهجية علمية طوال 1400 سنة مضت، والثاني هو العاميّ الذي يكتفي بمعرفة الضروري من دينه الذي يستطيع من خلاله أن يُسيّر شؤون حياته، أما الثالث فهو عنده من المعلومات ما هو أكثر من العاميّ، لكنه غير منضبط بالمنهجية العلمية التي يتمتع بها العالم من جهة، ومن جهة أخرى غير مؤسسٍ على تزكية النفس التي لا تنفك اكتساب العلم في الأهمية (ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة)، فيقع في المحظور لظنه بأنه فوق العاميّ.. ولنا في سامريّ بني إسرائيل عبرة عندما قال لموسى عليه السلام: "بصرتُ بما لم يبصروا به"، فأمرهم بعد ذلك بعبادة العجل، ولنا في عمرو بن لحيي الخزاعي الذي جرجر الأصنام إلى جزيرة العرب وجعلهم يعبدونها من دون الله سبحانه، إنها ذات النظرية (بصرتُ بما لم يبصروا به)، هنا عزيزي المسلم.. إن لم يكن منهجك علمياً سليماً مقوماً بتزكية النفس والأخلاق، ولم ترجع إلى أهل الذكر عند وجود المعضلات والشبهات لاعتقادك بقدرتك الذاتية على المواجهة باكتساب معلومات هنا وهناك.. فاعلم أن العاميّ أفضل منك.. وبالذات ذلك العاميّ الذي سأل عن الصلاة والصيام والزكاة النبيَ صلى الله وعليه سلم وعلق على تلك الإجابات قائلاً:" والله لا أزيد على هذا لا أنقص". فقال عنه النبي صلى الله عليه وسلم:" أفلح إن صدق". فهو مطمئن الإيمان عارف بالعبادات، أما أنت فستصبح مثيراً للشبهات إن لم تكن مصنعاً لها، وستتبع هواك لحلها لأنك لا ترجع إلى أهل الذكر.. احذر، فإن ذلك بداية كل فتنة.. وأساس الفكر المندس في ذهن كل مفتون.

مصادر المعرفة:

وهنا أوصيك بعد أن حددت طريقة اكتسابك للمعلومات وما الذي تريده منها أن تنوع من مصادر المعرفة لديك.. فالخير ليس من باب واحد، وما دمت تتمتع بوجود أرضية صلبة متينة من المنهج العلمي الصحيح والأخلاق الرصينة فلا خوف عليك، حاول أن تناقش أفكارك العلمية وما يدور في ذهنك.. فليس ما تكتسبه من علوم قد يكون صحيحا مطلقاً، فالنقاش والمحاورة يعطيانك تنقيح تلك الأفكار، فإذا ظلت في داخلك سيكبر عندك الشعور بصحتها، وأما إذا بحت بها وقبلت النقاش حولها ستستطيع تنقيحها وتصويبها واكتساب المعلومات الصحيحة بدلاً من الخاطئة إن وجدت، سيساعدك على ذلك وجود التواضع وكسر النفس، وتذكر.. أن كلمة (يزكيهم) جاءت قبل (ويعلمهم الكتاب والحكمة).

الأصدقاء:

احرص على وجود أصدقاء نصوحين صادقين، يرشدونك الى الخير وإن قلت ساعات لقياهم.. فإن المرء على دين خليله، أو كما قيل فإن كل قرين بالمقارن يقتدي، هناك المعارف الذين ترميهم لك الحياة.. فاختر منهم الأفضل لتصاحبه، اختره بعناية بدون مجاملة.. فإن فعلت فأنت الخاسر، لأن أصدقاء السوء ليس من يؤثر في سلوك أخيه فحسب.. بل من يمتص طاقات وقدرات صديقه لخدمة أغراضه الشخصية بدون منفعة حقيقية دائمة، وكما قال الأولون من أهلنا على الطريقة الشعبية (الربع .. ياخذون منك ماتخذ)، أي ما استطاعوا أن يأخذوه منك فسيفعلون.

المعلم:

سواءً كان كاتباً، خطيباً، شيخاً.. عليك أن تسعى جاهداً نحو من يعلمك الخير، ولا تخجل من جهلك، فالاعتراف بالجهل يوصلك إلى حقيقة العلم، أما إدّعاء العلم فيوصلك إلى حقيقة الجهل، وقد دأب الملوك والخلفاء على دفع أولادهم ليتعلموا علوم الشريعة والتربية واللغة، ولنا في "هارون الرشيد" الخليفة العباسي المجيد عبرة، ولنا في "آق شمس الدين" مثالاً عظيماً في أثر المربي في إخراج جيل عامرٍ بالعلم والتقوى، كما هو الحال لأسد الدين "شيركوه".. فهذان الرجلان أخرجا لنا "محمد الفاتح" والناصر "صلاح الدين الأيوبي"، وهما من هما غنيان عن التعريف.

في خِضم حياة مليئة باختيارات الزمن، عليك أن تختار.. ما تصل به حياتك الدنيوية إلى بر الأمان، دون شكوك مهلكة، ودون أفكار بائسة عارضة، فلتكن معتنياً باختياراتك.

محمد حسن يوسف

الجمعة، 15 أبريل 2016

سقوط بغداد ( 9 أبريل 2003م)


الحمدلله الكريم المنان، رب الإنس والجان.. والصلاة والسلام على سيد الثقلين من نسل عدنان، وعلى الآل والأصحاب.. ومن سار على الدرب إلى أعلى الجنان، اللهم أكرمني بنور الفهم، وأخرجني من ظلمات الوهم، وحسِّن أخلاقي بالحلم، وزدني من بركات العلم، وافتح علي أبواب رحمتك.

مازالت تلك الذكرى في ذهني وفي مخيلتي، تلك الأيام التي كنت أجرُّ فيها كتبي خارجاً من المدرسة الإعدادية في عراد راجعاً إلى البيت لأفتح التلفاز.. وعيني تترقب شريط الأخبار، أخبار الحرب الغاشمة على العراق وأهله.. دعك من كلمة "الحرب" وتوقف عند كلمة "العراق"، أرض الأنبياء.. فنوح عليه السلام مر من هناك، وإبراهيم عليه السلام أُلقي في النار هناك، ويونس بن متّى عليه السلام أرض نينوى شاهدةٌ على وجوده، أرض الحضارات.. فسومر وبابل وغيرهم شهداء على عراقة العراق، وأي حرب عليه فهي ليست حرباً خالصة خاصة به.. بل يتأثر بها كل عربي خالص ينبض قلبه بحب إخوانه.

كنت أقضي ساعات طوال.. اترقب شريط الأخبار لأنتظر خبر مقتل جندي أمريكي، أو اسقاط مروحية غازية، أو أي ضربة يتأذى بها العدو، لم أكن أفهم ماذا يعني تجاوز الأمريكان للبصرة.. ووصولهم إلى كربلاء.. والإنزال في منطقة الشمال واحتلالهم المطار.. وظهور الرئيس العراقي في الأعظمية والرسائل التي يتضمنها ذلك الظهور، ولم أكتب المقال لأتحدث عن كل ذلك، فالمكتبات مليئة به وإن كنا لا نقرأ، كل ما وقفت أمامه متعجباً غاضباً هو ذلك العلم الأمريكي الذي ارتفع في وسط بغداد معلناً سقوط النظام، ما زاد من استغرابي هو تلك المشاعر المتناقضة بين سعيد وحزين من الناس، فكنت أقول:" هل أنا الغبي لحزني،أم هم الحمقى لتعطيلهم عقولهم؟!" فطرت أبحث عن كلمة "سقوط بغداد" في قاموس الشبكة العنكبوتية فوصلت إلى نتيجة غريبة.. وهي أن التاريخ يعيد نفسه، فمن يريد أن ينال من العروبة فالعراق طريقه، وفمن يريد النيل من الإسلام فالقدس طريقه، والأغرب أن بعض الروايات في التوراة تخبر بأن تحرير القدس يبدأ من العراق.. فلا يجب عليك أن تتذكر فلسطين – إن تذكرتها – ولا تذكر العراق بدعوة صادقة أن يُعلي الله شأنه ليعود رائداً بالعقول التي يحتويها، بمقدراته التي ليس يملكها أحد، بأن يخرج من أزماته عالياً شامخاً كما عاد وخرج من أزمات مماثلة، ألم تسمعوا بهولاكو الطاغية و تيمورلنك كيف عاثوا في العراق فساداً ودمروه وأخّروه عصوراً مضت؟ولكنه عاد من جديد.. والتاريخ مليء بالقصص والحكايات عن أزمات العراق.

تلك القصص لم يضعها التاريخ لنستأنس بوجودها، فهي عبرة وعظة لمن كان له عقل وفكر، فهاهو القرآن يخبرنا بعد ذكر هلاك قوم نوح عليه السلام وعاد وثمود وقوم سدوم في سورة القمر بقوله تعالى: "ولقد يسّرنا القرآن للذكر فهل من مدًّكِر"، وقوله سبحانه:" أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها" ، إن لله سنناً في الكون واقعة لا محالة، فالأمة التي لا تستفيق من صدماتها تستحق الأخرى والتي بعدها، ولن يغير الله من أحوالنا ما لم نغير نحن من تفاصيل قصتنا "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيرا ما بأنفسهم، ولتكن تلك السقطات دافعاً لنهوضنا لا مدعاة لرقادنا.

كنت أنا وأخي "يوسف" نسمع أغنية "منصورة بغداد" أثناء الحرب وما بعدها من صفحات المقاومة الباسلة كجزءٍ من تضامن بسيط مع إخواننا، فلم نكن نقدر على القيام بفعل ذلك المصري الذي أبقى أبناءه الأربعة وذهب يقاتل في العراق.. ولم نكن من المتطوعين العرب الذي قاتلوا حتى آخر رمق من الحرب، منهم من استشهد في الخنادق، ومنهم من انضم إلى المقاومة، ومنهم ومنهم الكثير من لم يستطع الا التفاعل بقلبه فقط، جلست حزيناً بعد الاحتلال، فقلت في نفسي:" حزنت لأمر العراق الذي راح في ثلاثة أسابيع، ماذا لو عشت ذلك اليوم، اليوم الذي (طارت) فيه سيناء المصرية والجولان السورية والضفة الغربية بما فيها القدس الفلسطينية في ستة أيام؟! بالتأكيد كنت سأبكي.. هل مازال ذلك اليوم في أذهاننا؟ أم أننا نسينا؟"

محمد حسن يوسف


الأربعاء، 24 فبراير 2016

الشاب المسؤول


الحمدلله العظيم المنعم، والصلاة والسلام على خير خلقه النبي الخاتم... وعلى الآل والأصحاب أولي الأخلاق والمكارم... اللهم أخرجني من ظلمات الوهم، وأكرمني بنور الفهم، وحسن أخلاقي بالحلم، وزدني من بركات العلم، واجعلني من أهل العزائم.

المتمعن في إعادة ظهور "الشاب المسؤول" على سطح حياتنا من جديد بهذا الشكل المثير للإهتمام يجعل من الأمر مثار حديث واسع وأخاذ، ففي الحديث عن الأجهزة الحكومية المترهلة بحكم ارتفاع معدلات السن العاملة فيها فقد أصبحت ظاهرة تولي الشباب للمسؤوليات كالنور الذي تغلغل في حصون الظلام الحالكة.

إن للشباب مع المسؤوليات حكايات وحكايات مع تولي المراكز والمسؤوليات، فها هو " أسامة بن زيد" رضي الله عنه يقود جيوش المسلمين في مقابلة الروم بوجود كبار الصحابة رضوان الله عليهم في ركبه، وها هو "معاوية بن يزيد بن معاوية بن ابي سفيان" يتنازل عن حكم بني أمية بعد وفاة أبيه وعمره لم يبلغ العشرين ربيعاً بعد، بعيداً عن ذلك وعلى سبيل المثال.. فأعلى منصب بشري على الإطلاق هو تشريف الرب سبحانه وتعالى للعبد بأن يكون نبياً، وهذا الشرف يكون للعقل الذي بلغ مستوى النضج.. فيكون ذلك في سن الثلاثين والأربعين غالباً، أما نبي الله "إبراهيم عليه السلام" فقد كسر القواعد، تقول الروايات بأن سيدنا إبراهيم عليه السلام قد ألقي في النار وعمره لم يتجاوز السادسة عشر.. وقد علم القاصي والداني الحجج التي ألقاها ذلك الفتى على قومه "" سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم"".

مما سبق.. نبحث في عمق مسؤوليات شباب زمننا الحاضر، لنعلم ما يلزم من كون "الشاب المسؤول" مسؤولاً ناجحاً، أتحدث بشكل مبسط عن العقلية التي يجب ان تتوفر في الشاب لربما ساقه الزمن لمركز ما، والمسؤوليات كثيرة وتكاد تكون في كل مكان.. في البيت، العمل، الدراسة.. المركز لا أعني به بالضرورة منصباً دنيوياً، فهذه المراكز الدنيوية تجئ وتروح.. وقد يهبها الله لعباده لحكم نجهلها "لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون".

عزيزي الشاب.. إن الخير والشر ظاهرين بينين، والله سبحانه وهبنا العقل للتمييز بينهما وزرع فينا تلك النفس البشرية الأمارة بالسوء، وبين لنا كما حدث مع أبينا آدم عليه السلام دورنا تجاه هذه الأرض.. ودور الشيطان اللعين في غواية البشر، كل ما علينا هو أن نستمر في إدارة ذواتنا نحو القيم والأخلاق.. بعيداً عن همزات الشياطين، تلك هي مهمتنا الرئيسية.. أصعب مسؤولية على عاتق كل إنسان في أي مركز كان " قل آمنت بالله ثم استقم "... الالتزام بالمنظومة القيمة مع الأهل، الجامعة، العمل.. أي بيئة سيكون فيها هذا الشاب لهو قمة الإحساس بالمسؤولية.

تبدو "المسؤولية" ظاهرة في حياة الشاب عندما يسعى بأن يكون رقم {1} بالنسبة لوالديه، فهو كالخادم بين أيديهم، يفهم احتياجاتهم قبل أن يبوحا بها، من المعلوم أن الوالدين يعبران بمحبتهما للأولاد بشكل متساو قدر الإمكان.. لكن التقسيم الحقيقي للمحبة يكمن في مدى بر الأولاد بوالديهم، فلا يستوي الابن البار بالابن المهمل، فبالرغم من وجود غرفة للإثنين من غرفات قلب الأم والأب.. إلا أن الغرفة الكبيرة والنصيب الأوفر سيكون من نصيب الابن البار بلا شك، فيا سعد من سخره الله لقضاء حوائج والديه، عزيزي الشاب.. مسؤولياتك في الحياة تبدأ من تحت قدمي والديك، أتمنى أن تعي ذلك.

عزيزي الطالب الجامعي، تكمن المسؤولية على عاتقك في فترة الدراسة كونها ستصقل شخصيتك بشكل كبير إن أعطيتها حقها، ما يشعرني بالغثيان على سبيل المثال ما يقوم به بعض الشباب من انتقاد كل شيء يخص الجامعة.. ويرغب في تغيير كل شيء فيها سوى عاداته المرتكزة على الإهمال واللاوعي، ينتقد دكتور المادة.. ولا يفكر في طريقة دراسته لكي يحسن من وضعه، الجامعة هي اللبنة الأولى لإخراج شاب قادر على مواجهة الحياة مهنياً ومعرفياً، والوعي بذلك يجعل من الشاب متنوعاً في مصادر معارفه.. ثابتاً راسخاً رافعاً رأسه راغباً في التطور باستمرار، قد يرى البعض أنني أتكلم بشكل مثالي عما ينبغي أن يكون عليه الوضع.. المشكلة بأننا لا نركز على ما يتوجب علينا كشباب أن نقوم به، ننسى مسؤولياتنا ونلقي باللوم على أي جهة أخرى.. ومن ذلك تبرز لنا الشخصية الساخطة على المجتمع.. المثبطة للهمم.. المبرزة لكل نقطة سوداء، وما أكثر من يقوم بهذا الدور الرخيص.

بعد تأسيس الشخصية من الناحية العلمية والمعرفية والمهنية... يأتي التفكير في مسؤولية الشاب تجاه مجتمعه، قد يكون طرح هذا الجانب تقليدياً... لكن انتبه أيها الشاب، فخير الناس انفعهم للناس، والسعي وراء حاجة أخيك أفضل من الاعتكاف في المسجد، من هنا ينبغي على الشاب نشر ما يملكه من خبرات واكتساب المزيد منها من أجل النهضة باتجاهات شباب اليوم.. وبالتالي النهضة بالوطن والأمة بشكل عام، ما أحوجنا لتقديم نماذج شبابية للعالم كما كان أسلافنا يقدمون في مجال العلم والتنمية.. موضوع كهذا يجب أن يكون كالهم لجميع أطياف المجتمع، ولكن هموم الدنيا المادية طاغية على كل هم.

هذه نظرتي للمسؤولية.. فهي ليست متعلقة بمنصب أو مركز تحصل عليه، فذلك المركز قد يهبه الله لمن ليس أهلاً له، ويبعد عنه من يستحق ... كما أن الدنيا لا تبرز الا ما هو مبرزٌ لوصفي الدني، نظرتي للمسؤولية ترتكز على ما ذكرت من حرص على الالتزام بمنظومة قيمة يستمر فيها الإنسان دون ضعف... ترسيخ لمسؤولية الفرد تجاه والديه واسرته، توضيح لمسؤولية الشاب في تأسيس ذاته معرفياً ومن ناحية الزيادة في الخبرات قدر المستطاع في سبيل نهضة المجتمع والوطن والأمة، أما تلك المراكز الدنيوية.. فهي صورة للمسؤولية، وليست روحها.

 
محمد حسن يوسف

الأحد، 27 ديسمبر 2015

كلمة "مشغول" .. بين الحقيقة والخدعة

الحمدلله رب المغارب والمشارق، والصلاة والسلام على سيد الخلائق.. وعلى الآل والأصحاب، ومن سار على نهجهم إلى درب الجنان ذات الأكواب والسرر والنمارق.. الله أخرجني من ظلمات الوهم، وأكرمني بنور الفهم، وحسِّن أخلاقي بالحلم، وزدني من بركات العلم.. وارحمني يوم اقف بين يديك.
"مشغول" .. كلمة لطالما نرددها لنقنع بها الضمير بأننا أُناس مكافحون في الحياة، ليس الكل.. ولكن الغالب من شباب عصرنا ما إن يتعرض إلى بعض الضغوط في حياته حتى أصبح يجد سهولة في سرد الأعذار التي يمنع بها نفسه من الوصول إلى النجاح.. وأولها كلمة "مشغول، ماعندي وقت".
فلتتوقف عزيزي الشاب عند فحوى هذه الكلمة التي تحب أن تكررها على ضميرك كي يصدقك.. واسأل نفسك سؤالاً واحداً: " فيمَ يمضي وقتك؟" على الرغم من كون الشباب "مشغولين" فأنت لا تجد الفئة الناجحة منهم الا قلة.. أما البقية فإنهم ينجرفون في سيل الأعذار، لا أحد يحب الفشل.. لا أحد يحب أن يحدث نفسه بصراحة بأنه عجز وقصَّر في أمر ما وليس لأنه مشغول.
ولنعطي مزيداً من التشخيص لهذه الظاهرة.. فنجد أن الشاب قد يضع - مع حسن الظن بالشاب- العديد من الأهداف ليحققها.. فقد لا يكون موفقاً في تحقيقها جميعاً لكن المثير في الأمر بأنه يضع العذر "مشغول" أمام الهدف الأول في حياته!! فماذا ستقول أيها الشاب للأهداف الأخرى؟! إن من مفاسد هذا الزمن أن يجعلنا نغرق في توافه الحياة و هوامشها و ننسى أهدافنا الأولى... مشاريع وضعناها لأنفسنا في المقدمة، ولكن ما أن ضَعُفت هممنا.. وخارت قوانا.
ضع اولوياتك.. ما هي القيمة التي تريد أن تضيفها إلى المجتمع؟! أثر يبقى ويدل عليك.. ولعلي ارى أن أضرب الأمثلة على نفسي لأني طبقت هذا الكلام على شخصي أولاً، وضعت عدة أهداف لقيمتي في الحياة... أولها بأن احمل رسالة أخلاقيةً إلى العالم، لذلك فأنا أبحث كثيراً في كتب تزكية النفس ومعرفة عيوبها ودسائسها.. فأنا كي احمل تلك الرسالة فعلي أن أتمثلها أولا، برنامج "Believe  " في مدينة شباب 2030 المعني بغرس الأخلاقيات في نفوس القادة من أهم برامجي السنوية.. أقول بأنني أعزم المشاركة في كل سنة، ولكني لا أضمنها حتى قبل اسبوع من بدايته بسبب كثرة المدخلات على الحياة.. ولكنني أنجو أخيراً وأشارك بكل حماس.
في ميدان العمل، أحاول خلق التغيير في الروتين.. أنا قليل الشكوى من ضغط العمل، فأنا دائماً أجد طرقاً أخرى لأقوم بأعمالي بشكل أسرع من غيري، ليس من باب التفوق عليهم.. بل هو حافز للنفس، ساعدتني وظيفتي على ضبط الوقت والاهتمام بتفاصيله.. يأتي الزواج ففيه معشر الشباب اصناف وأشكال، ولكنني دائما أفكر فيما يمكنني إعطاؤه للطرف الآخر أكثر من تفكيري فيما أريد أن أحصل عليه.
في خِضمِّ تجبرتي البسيطة في ميدان العمل التطوعي فأنا اعمل على تأليف كتابٍ في هذا الشأن اسميته "فمن تطوع خيراً"، وقد انتهيت من كتابته فعلاً.. فجمعت بذلك حب العمل التطوعي وحب الكتابة، ولم اشأ أن استخدم وسائل أخرى لنشر أفكاري ك "الفيديو" وخلاف ذلك، لا لعيب فيه بل احتراماً للتخصص.. فأنا مؤمن بأن على المرأ أن يكون الأفضل في مجاله وأن يعرف شيئاً من كل شيء، لا أن يرغب في أن يكون الأفضل في كل شيء.
قضية فلسطين تشغل بالي وتفكيري، وأحاول بقدر ما استطيع – مع تقصيري في ذلك – أن اظهر التضامن مع اخواني، وأن اقرأ في تفاصيل القضية وتاريخ المنطقة منذ القدم.. ارغب في عمل مشروع يحسِّن وضعي المادي وهذا ما بأدت فيه فعلا بفضل الله تعالى بالإضافة إلى دراستي الجامعية.
نتيجةً لكل تلك الأهداف.. فقد توقفت عن "التمثيل" ، فهو الجانب الأقل أهمية من كل ما سبق.. فحُق لي بأن أقول كلمة "مشغول"، لاحظ عزيزي الشاب بأنني قلت كلمة "مشغول" عن الهدف الخامس في حياتي.. فراقب نفسك وحدد أولوياتك، واعرف متى تقول تلك الكلمة في مكانها بدون خداع للضمير.. اعاننا الله وإياكم لوضع بصمة في هذه الحياة.

محمد حسن يوسف

الأحد، 15 نوفمبر 2015

استثمر في ذاتك

الحمدلله غافر الذنوب سِتِّير.. والصلاة والسلام على السراج المنير، وعلى الآل والأصحاب ومن على نهجهم يسير، اللهم أخرجني من ظلمات الوهم.. وأكرمني بنور الفهم.. وحسِّن أخلاقي بالحلم.. وزدني من بركات العلم.. واحشرني مع الصالحين من عبادك على درب الجنان ونعم المصير.

تتباين الآراء حول أوقاتنا كلما اختلفت اعمارنا.. فالصغير تبدو اهتمامته كثيرة ومتناثرة، أما كبراؤنا فيفضلون التركيز على أشياء قليلة.. ولكنها أهم، تلك هي سنة الحياة.. فالإنسان كلما كبر في السن يبدأ في الإستغناء عن الأشياء التي ظن في السابق أنها كانت مهمة.. ربما لأن الزمن والعمر قد تجاوزها من ناحية، او ربما كان اعتقاده آنذاك بأن تلك الأشياء مهمة اصبح مجرد وهم من ناحية أخرى... لا يمكننا بأي حال من الأحوال مناقشة الأشياء التي كان يفعلها الإنسان وتطاول عليه عمره فأصبح لا يستطيع فعلها كالأنشطة البدنية والقدرة على السهر، بل هنا اسلط الضوء على اكتشافنا لضياع أوقاتنا... تركيزنا على أشياء كانت توهمنا بأنها مهمة، ولم تكن كذلك.

يبدأ الإنسان بتحليل اوقاته اليومية لمناقشة ذلك الأمر.. فتبدو له ساعاته الضائعة التي لا يبذل فيها مجهوداً يُذكر، سنجد نسبة الساعات اليومية الضائعة ليست بالقليلة... دائماً ما نشكوا لغيرنا بأننا "مشغولون" و "مرهقون"، فتجلس لتسأله المزيد لتتعرف على كيفية استخدامه للوقت.. فتتفاجأ بأنه يتذمر لمجرد التذمر... وأن المجهود الذي يبذله لا يتعدى به إلى أي مرحلة في الحياة، مع الأخذ بعين الإعتبار ساعات النوم.. بل إني سمعت أحدهم يقول:" أنا نائم، إذاً انا مشغول". في السابق كان الذهاب للخلاء - اعزكم الله - يأخذ وقتاً ليس بيسير... فوصل الخبر عن أحد العلماء أنه كان لا يضيع ذلك الوقت الا ويقضيه في تأليف الرسائل المفيدة للناس، كان جدي رحمه الله يرجع من المناوبة الليلة في عمله.. ويأخذ معه بعض المأكولات والمقليات ليبيعها على الموظفين في الصباح ليساعده المدخول البسيط في سد بعض المصاريف.. ذلك عندما يكون وقتك في يدك، يتحكم به عقلك.. لا نزواتك وشهواتك، اولئك الذين يضبطون اوقاتهم هم الأكثر فاعليةً وتأثيراً في المجتمع.. أما من هم دون ذلك فيدخلون في دائرة الخمول والتسويف، وبذلك تضيع الرسالة التي من أجلها خلق الله سبحانه الإنسان... فيدخل حينها في دائرة الإستبدال ( إن تتولوا يستبدل قوما غيركم).

الموارد المالية عند "الشباب" محدودة المصدر.. لكن الكثير منها يُصرف على اشياء جانبية ليست ذات قيمة، يغيب عن جيلنا الحالي كيفية تدبير الأمور ووضعها في نصابها السليم.. الأهم فالمهم فالأقل أهمية، لا يُفهم من كلامي أن يبخل الإنسان على نفسه ويحرم ذاته.. فالله يحب رؤية أثر النعمة على العبد (وأما بنعمة ربك فحدِّث).. ولكن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إخشوشنوا فإن النعمة لا تدوم".الآية والحديث ليسا متناقضين.. بل هما متكاملين، ادعو هنا لاستخدام العقل في إدارة المال وعدم الإنجرار وراء العواطف والنزوات (ماركات، سيارة، تلفون).. فقد يأتي زمان تحتاج فيه إلى المال، ولا تستطيع الإتيان به.. فاجعل لنفسك قاعدة تنهاك عن الجري واللهث وراء كل جديد (أوَ كلما اشتهيت اشتريت ؟!).

عندما تتكلم عن ذاتك وماتملك من مهارات ومجهودات تضيف إلى الحياة قيمةً جديدة.. فكِّر في الوسيلة بشكل عميق سواء كانت تلك الوسيلة جمعية او مؤسسة او اي كيان كان، إن لم يساعدك ذلك الكيان على الوصول لأهدافك (مع الأخذ بالإعتبار اهداف الكيان والمصلحة العامة) فانسحب فوراً... فالأوقات ليست مجالاً للتضحية في سبيل أمر لا يهمني كشخص ابحث عن الإضافة في الحياة، وإلا سأقع في بئر يحتوي كل الزائدين على هذه الأرض.. زيادة جسمانية لا اكثر ( إن لم تزد شيئاً في الدنيا فاعلم أنك زائدٌ عليها).. الكثير من الأشخاص يربط قيمته بقيمة الكيان الذي يحتويه، يجب أن تكون نظرتنا أبعد وأعمق من ذلك، كي لا تذهب مجهوداتنا وتضحياتنا في الإتجاه الخطأ.
تحليل الأوقات بدقة أمر ثقيلٌ على النفس... تدبير النقد و وضع كل أمرٍ في محله أمر يعاكس النزوة البشرية، ولكن اعلم.. بأنك ما دمت تسير عكس رغباتك وشهواتك فأنت في الطريق الصحيح فلا تبتئس بالتعب والإرهاق.. بل ادفع بنفسك نحو علو الإنطلاق، إن لم تتعب وأنت شاب.. فمتى ستتعب؟! ماهو دورك في الحياة إزاء كثرة تذمرك؟!  إذا نسقت وقتك بشكل جيد فستتفاجأ بكم الأشياء التي اصبحت قادرا على القيام بها... ليس لأنك تفرغت لها، بل لأنك تخلصت من مضيعات الأوقات.. وركزت على ما هو أهم... ف "استثمر في ذاتك"، لأن العمر لا ينتظر.

محمد حسن يوسف




السبت، 7 نوفمبر 2015

إنما الدنيا كفاح

الحمدلله الخالق الجبار، والصلاة والسلام على سيِّد المصطفين الأخيار... وعلى الآل والأصحاب، ومن على نهجهم إلى الجنان أكمل المسار، اللهم أخرجني من ظلمات الوهم.. وأكرمني بنور الفهم.. وحسِّن أخلاقي بالحلم.. وزدني من بركات العلم.. واحشرني مع عبادك الأبرار.

المتفحِّص في أوقات هذا الجيل من الشباب قد يصل إلى نتيجة ذات منظور صحيح.. وهي أن معظم الشباب "يدَّعي" الإرهاق والتعب، في حقيقة الأمر فإن الواقع لا يترجم ذلك.. فنحن نستهلك كثيراً من مخيلتنا في الأحلام الكبيرة، لكننا لا نقوم بشيء مختلف.. لا نقوم بأفعال كبيرة تؤتي ثمارها في نهاية الطريق توزاي في مستواها تلك الأحلام، فنقع في السلسلة المظلمة (تسويف، تأجيل، تكاسل، استحالة وقوع الأحلام).

" كيف تخترق لك العوائد وأنت لم تخرق من نفسك العوائد"... كيف تطلب من الزمن أن يحقق لك أحلاماً تستوجب منك أفعالاً مختلفة، لكنك لم تشأ الا البقاء في "المنطقة المريحة"، تسير في روتين جامد وتتوقع أن يحقق لك نتائج مبهرة، كثيراً ما نفكر بخلق معطيات جديدة ونجعل ذلك شرطاً لبداية السعي نحو أحلامنا.. ولكننا لا نريد أن نستغل مواردنا وإمكانياتنا، قد لا نسعى إلى معرفتها أصلاً.. ولكننا "نخدع الضمير" بأن الظروف حولنا ليست مهيئة.. وننسى أن كل مافي الأمر أن نفكر نحن بطريقة مختلفة.. باستخدام نفس المعطيات ربما، فكِّر.

" وصحبة استاذ و طول زمان".. من الشروط التي وضعها الإمام الشافعي رحمه الله في كيفية طلب العلم بطريقة صحيحة، قد لا تتهيأ الفرصة لجميع الشباب أن يكونوا بصحبة اساتذة... لكن العيب كل العيب أن يخلق الشاب حوله بيئة تصفق له وتطبل وتبارك له أفعاله.. هنا يأتي دور الأستاذ في التوجيه والنص والإنتقاد انتقاداً موضوعياً، فإن لم يكن فصديقٌ مخلصٌ يوجه للخير... ابحث واسأل عن المتخصصين واطلب النصح والعون والتقييم.. ولا تعتمد على ذاتك في كل شي، فالمرأ " قليل بنفسه كثيرٌ بإخوانه".

" و طول زمان".. وما أدراك ما طول الزمان، إن ابرز ملامح المشاريع العظيمة هي أنها "تأخذ وقتاً" لتتحقق.. لتنضج، في هذا الوقت يسطر المرأ خلاله التضحيات تلو التضحيات على حساب نفسه وأهله.. تمر على "الفتى" فترات طويلة، لا ينام الا بعد منتصف الليل.. ويبدأ اليوم باكراً حتى تقول له والدته معاتبةً: "عطنا من وقتك خمس دقايق". يعتقد "الفتى" بأن العيش على هذا الرتم يجلب السعادة، ناهيك عن فترة الصيف التي تتحول فيها سيارة "الفتى" إلى خزانة للملابس.. ويتحول البيت فيها إلى مكان للنوم فقط (فندق).... ابحث عن كتاب "صبر العلماء" للشيخ عبدالفتاح بوغدة رحمه الله لكي ترى بأم عينك كيف صبر العظماء ليكونوا كذلك... وتستصغر انجازاتك (الكبيرة) في عينيك. 

لا تسعى إلى أن يلتفت البشر إلى حالك.. هلّا عملت بصمت؟! مالنا وقد احببنا أن نشارك البشر في كل شيء وفي كل إنجاز .. ؟! وكأننا صنعنا "قنبلةً ذريةً" بإنجاز ربما يكون بسيطاً ؟! حافظ على هدوئك.. وامضِ في طريقك، في هذا الزمن لم يعد الإعتداد بإنجاز واحد "غير فريد" من نوعه أمراً إيجابياً.. بل الدور هنا على الشباب تعزيز الإنجاز بآخر اكثر عمقاً وتأثيرا، ولكن الشاب لا يلتفت لذلك لرغبته الجامحة في الانتشار والتسويق للذات على حساب الإنجاز نفسه، "اصمت..ودَع انجازك يتكلم، فقد مللنا كلام الأشخاص".  


 محمد حسن يوسف

الخميس، 5 نوفمبر 2015

بين المكاره والشهوات


الحمدلله رب المشرقَين ورب المغربين.. والصلاة  والسلام على جدِّ الحسنين وسيِّد الثقلين، وعلى الآل والأصحاب ومن اقتفى اثرهم مادام ضياء النيِّرين.. اللهم أخرجني من ظلمات الوهم، وأكرمني بنور الفهم، وحسِّن أخلاقي بالحلم.. واجعلني من اصحاب السعادة في الدارين.

كل منهجية على هذه الأرض مرتبطة بأفعال وأقوال.. فإذا قلت بأنك "مسلم" فإن عليك إلتزام خطٍ معينٍ في التفكير والفعل، وهكذا مع "العلماني" و "المسيحي" او أي منهجية فكرية.. ما يعنينا هو "المنهجية الإسلامية" في ماذا يترتب عليك فعله إذا (نفخت صدرك) بقولك بأنك "مسلم"، وتنسى بأن عليك أحكام وواجبات.. لنشخِّص معا ماهي تلك الأحكام وطبيعتها.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: " حُفَّت الجنة بالمكاره، وحُفَّت النار بالشهوات". بمعنى أن التعليمات التي وضعها الإسلام والتي بدورها ستوصلك إلى رحمة الله وجنته سوف تكون بعكس ماترغب به نفسك البشرية، ويعتمد صلاحك وتقواك اولاً وأخيراً على مدى قدرتك في ضبط ذاتك وجعل الحياة في يدك لا في قلبك... هنا استذكر "الإمام البوصيري – رحمه الله" عندما ألّف في بردته قائلاً: " والنفس كالطفل.. إن تتركه شب على حب الرضاع، وإن تفطمه ينفطم". وهذا وصف دقيق وحثٌ خفي على ضرورة التحكم في زمام النفس لكي يتسنّى لك تطبيق أحكام الإسلام.. وإلا كانت نفسك التي بين جنبيك رهن الإنفلات.

يقول أصحاب الحِكم بأن "أصحاب الأخلاق في تعب مستمر". ويشمل هذا الكلام أصحاب التدين والمبادئ.. تلك المبادئ التي تحتاج إلى مصابرة ومجاهدة وبحث عن بيئة صالحة تساعد على الإستمرار في هذا الدرب، لو نظرنا بدقة إلا هذا الحديث "أشد الناس ابتلاءً هم الأنبياء، فالأمثل فالأمثل" سنجد بأن الأمثل من الناس سادوا على غيرهم في الفضل بسبب قدرتهم على إدارة ذاتهم بعد قالوا بأنهم "مسلمون" فالتزموا بالأحكام والأخلاق قولاً وعملاً.

ومن هنا يبرز الفرق بين مناهج متعددة "كالليبرالية" الذين يدعوا بعضهم إلى أن الإيمان جزءٌ يخص القلب، وأنه لا تعارض في اختلاف الأقوال مع الأفعال وبين الإسلام.. بل إن بعضهم ألحد رافضاً  الإيمان لأنه يقيد الإنسان من الإستمتاع بالملذات بغض النظر ما إذا كانت تتماشى مع تعليمات الإسلام أم لا، فلنتذكر بأن "النار حُفَّت بالشهوات" .. أي أن الأشياء التي تدور داخل نفسك وتجعل الدنيا في قلبك.. ويظهر لك الإستمتاع بها ولو بشكل مؤقت ستجعلك على طريق الهلاك.

كونك "مسلماً" فذلك يجعلك تستقبل الاوامر الإلهية بشكل تعبُّدي... لا تسأل لماذا فرض الله أربع ركعات في الظهر وركعتين في الفجر، بل تطبق وتسلِّم بالأمر.. وتصابر نفسك على الإستمرار في هذا النهج، كثيراً منا لا يتقبل الحكم الإلهي إذا كان ضد تصرفاته المعتادة... وتبيَّن له أن ما كان يفعله هو خطأٌ ويتوجب عليه تعديل مساره وقد يكلفه ذلك الخطأ كفّارةً او ما شابه من العواقب، وهنا يأتي التواضع في جنب الله والإنكسار والإنقياد لأوامره  سبحانه.. فهل سيفرِض على عباده ما يشُق عليهم ؟! بالطبع لا.. ومن هنا أيضاً لا تبرز كثيراً أهمية معرفتنا بالحكمة من مشروعية أمر ما، فأنت مادمت عبداً لله عليك أن تطيع وتخضع.. سواءً علمت الحكمة من الأمر أم لا، راجع نفسك وعلاقتها مع باريها...  فالدنيا لا تساوي عند الله "جناح بعوضة"، فما بالك بنفسك؟! أنت المحتاج للطاعة والخضوع والرضوخ للمولى سبحانه، ولا يضره جل جلاله اعراضك واعتزازك بذاتك بغرور.

## أحب الخوض في الزوايا المظلمة التي لا يحبذ الناس الحديث عنها.

محمد حسن يوسف