الأحد، 7 يونيو 2015

الشباب بين انفلات العقل وحدود الشريعة

الحمدلله ربنا المنعم ، والصلاة والسلام على النبي الخاتم ، وعلى الآل والأصحاب أهل الملاحم، اللهم أخرجني من ظلمات الوهم .. وأكرمني بنور الفهم .. وحسن أخلاقي بالحلم .. وزدني من بركات العلم .. وافتح علي ابواب الوصول إلى رحماتك .

يجري الشاب في كومة من الأفكار التي تسود عقله، مطالباً نفسه بإيجاد اجوبة سريعة لتساؤلاته، فينطلق بحثاً عنها في الكتب، أو من الرجال من حوله ممن يثق في آرائهم وتصورتهم .. تساؤلات تخص اعتقاده، من أين أتى؟ من أوجدني؟ إلى أين المصير؟ فيقع في انفلات العقل الذي يورد الأفكار دون ضابط .. فيقع الشاب في عدة محظورات . فما هو السبب في ذلك ؟ هل هو الشاب نفسه؟ ام الخطاب الديني السطحي ؟

كان المسلمون في بداية نشأة الكيان الإسلامي مطمئنّين نحو دينهم .. ولا يسألون عن نظريات فلسفية في الاعتقاد حتى خرج عليهم المعتزلة ، ومن هنا ظهرت ضرورة وضع نظريات توضح العقيدة الإسلامية وتجيب ولو بشكل فلسفي عن اسئلة الشباب المحيرة ، تلك الأسئلة التي لا تجيب عنها النصوص الدينية بشكل صريح .. ولا يوجد عالم يفهم نفسيات الشباب وما يفكرون فيه ليستطيع أن يوصل لهم المعلومة الصحيحة.

إن خطورة هذا الموضوع تكمن في ظهور مراهقة العصر ( الإلحاد ) بين الشباب من ناحية ، ومن ناحية أخرى عدم اقتناع الشاب المسلم بما يقوم به من عبادات بسبب تلك الفجوة بين رسل الشريعة في زمننا الحاضر وبين الشاب ، وليكن كلامنا مرتبطاً بالأمثلة لا الحصر لنستطيع رسم الطريق على ارض الواقع .. عندما يقول شيخ دين أو طالب علم متدين : " إن الله ينزل في الثلث الأخير من الليل إلى السماء الدنيا بذاته " . تُطرح اسئلة كثيرة في ذهن الشاب وهي .. إذا كان الله عز وجل ينزل من السماء بذاته .. فأيُ ثلث من الليل يقصد ، الثلث الأخير في البحرين..أم الهند..ام امريكا..ام اليابان ؟ هل هذا يعني أن الله عز وجل موجود طوال اليوم في السماء الدنيا ؟ فإذا كان الجواب ب "نعم" فمن الذي يجلس على العرش ؟ وهل يصبح العرش خالياً في هذه الحالة ؟ هل سيكون الجواب القائل:"اتق الله ولا تلقي الشبه" جواباً كافياً.

هل رأيتم سلسلة الأسئلة إلى أين ذهبت .. ؟ وهل نستطيع أن نقدر إلى أين ستذهب تلك الأسئلة و تودي بصاحبها ربما إلى الكفر والإلحاد، أو ربما كان التجنب عن الإلتزام بالتكاليف الشرعية في حالة عدم الإجابة عن تلك الأسئلة والتصدي لها بشكل فلسفي نظري مناسب لعقل الشاب .
ان انفلات العقل بدون ضابط سيؤدي إلى نتائج غير محمودة .. انتهى ذلك الزمن الذي يمنع الشاب من ان يفكر في اعتقاده وما يؤمن به ، حتى وإن سخر له القدر أن يولد بين ابوين مسلمين ، أصبحنا كالمسؤول الذي ينظف مكان إدارته ويرتبه إذا حان وقت زيارة مسؤول أكبر بهدف إخفاء العيوب ، فهل أصبح الخطاب الديني يحظر على الشاب الخوض في قضايا عقدية وعدم السماح له بالسؤال في ذلك ؟ اصبح الخطاب الديني لا يغطي بنوره بعض الزوايا المظلمة بفعل منع الشباب من طرح التساؤلات ، فما الحل؟ فيجد الشاب نفسه في مواجهة طريق قصير .. وهو عدم الإيمان بذلك الخطاب المتناقض للأحكام العقلية، بل وحتى عدم الإيمان بأن الخطاب الديني باستطاعته الإجابة عن كل ما سبق.

أما من ناحية حدود الشرعية الخاصة بالعبادات .. فالعامة من الناس وخاصة من الشباب بعيدون كل البعد عن معرفة الأحكام الفقهية بشكل عام ، فإذا صدمنا الواقع بحكم شرعي يخالف ما اعتدنا عليه نرفضه.. ونخرج لأنفسنا المبررات التي ترضي أهواءنا لنفعل ما نريد ، ليس ذلك فحسب ، بل نتعامل مع الإسلام كونه مجموعة من الأحكام التي نستطيع تفصيلها لتصبح على مقاس هوانا .. وكأن الأحكام الفقهية موجودة لتكون كما نشاء ، وهذا أول ما يجب أن يفهمه الشاب إذا تم تثبيت اعتقاده .. ما دمت قد آمنت بوجود الله، وتبين لك الحكم ثبوتاً و دلالة ، فالتزم ولا تحاول التلفيق واستخراج حكم شرعي يخولك لتفعل ما تريد وتخدع به ضميرك وتشبع به غريزة هواك .. نعم، نحتاج إلى الإيمانيات لترطيب قلوبنا و لزيادة ارتباطنا بديننا ، لكن بدون اعطاء قدسية للنصوص والتشديد على أن احكام الإسلام ليست قابلة للتلفيق والترجيح من قبل العامة كلٌ على مزاجه .. فذلك سيعطينا القوة وفق ثبات العقل على الاعتقاد دون تردد.

#ناقش #رأي #تعليق .. احتاج لذلك

محمد حسن يوسف 

الأحد، 24 مايو 2015

رتب رمضانك

الحمدلله الكريم الغفور الودود ، والصلاة والسلام على اكرم الخلق من بالخير يعطي ويجود .. اللهم أخرجني من ظلمات الوهم .. وأكرمني بنور الفهم .. وحسن أخلاقي بالحلم .. وأكثر عليٍّ من بركات العلم ، و هوّن علينا حين تضيق اللحود ، واستر علينا حينما إليك نُحشر ونعود .

رمضان على الأبواب .. تترقبه القلوب قبل كل شيء، وتتلهف له قلوب الصالحين الغانمين للخيرات ، المستوعبين لعظيم الجوائز والهبات ، فهل لنا من التحضير له من نصيب ؟! تحضيراً نقوي به قلوبنا .. وتهيئةَ تغنينا عن خداع ضمائرنا .. وتحجب عنا التقصير او الوقوع في الزلل ، وتُذهب عنا الكلل والملل ، الكثير ممن ينتظر هذا الشهر الفضيل بفارغ الصبر .. فيندفع في بدايته في العبادة ، ويقصر كلما اقترب رمضان من نهايته ، إنه أمر يحتاج منا إلى تفسير وتشخيص دقيق .

هناك مصطلح يعرف ب " إدارة الذات " .. وهو يأتي دوره بعد وضوح الهدف والبداية في السعي للوصول إليه ، بمعنى أن الإنسان يعرف ما يملكه من امكانيات و موارد .. ويريد أن يصل إلى هدف ما ، ولكن الاستمرار في السعي إلى هدفه يخونه دائما بسبب خلل في إدارة الذات وتغذيتها بما يلزم .. قد يكون هذا الكلام فلسفيا إلى حد ما ، لكن بالنظر إليه نستطيع تفسير تقصيرنا في فترات الشهر مروراً بنهايته التي تعتبر أعظم الأوقات فيه .. ففيها العشر الأواخر ، التي فيها ليلة القدر ، فكيف لنا أن نصل إلى نهاية الشهر الفضيل بجاهزية ذهنية وإيمانية تجعلنا نستغل أوقاتنا بالشكل المثالي ؟

يقول ابن عطاء الله السكندري : " لما علم الله منك الملل ، لون لك الطاعات ". ففي الشهر الفضيل ينبغي على المسلم المتعقل أن يوزع طاقاته وجهده بين الطاعات ولا يحصر في انواع محدد كصيام وصلاة فقط ، فالصدقة بشتى اصنافها لها شأن ، والذكر مهما تعدد له منزلة قد لا يصلها صاحب العبادات الأخرى سواها ، فتقسيم الوقت بين هذا وذاك مع "إدارة الذات" بشكل لا يجعل الوقت يتفلت منك بدون شعور لهو أمر مهم ، تيقن بأنك في الحساب وحدك..ولا تعلق أعذارك على الآخرين فذلك لن يكون مقبولاً .
قراءة القرآن ، وهذا الجدل الذي يدور في كل شهر .. ما هو الأولى ، القراءة أم التدبر ؟! وهنا أقول : ماذا فهم السلف الصالح عن مدى أهمية القرآن الكريم وقراءته في رمضان .. فنجد بأن الصحابة رضوان الله عليهم يختلفون في اجتهادهم ، فمنهم من يختم القرآن الكريم كل عشر ليالٍ، ومنهم من يختم في خمس..ومنهم من يختم في يوم وليلة..فماذا نفسر هذا الإجتهاد ؟ أني اجده دلالة على ضرورة كثرة القرآن الكريم بجانب التدبر ، لكننا في زمن قلت فيه امكانية التدبر .. نحن بعيدون عن القرآن طوال العام بل نكاد لا نقرؤه الا في رمضان .. تكثر في غرفنا المصاحف ..ويكثر عليها الغبار المتكدس دلالة على هجرانه ، فيأتي أحدهم للعامي البسيط ويطلب منه أن يتدبر بقوله :"اهم شي التدبر،قراية بدون تدبر مامنها فايدة". لهو كلام استنكره ، ومن شأنه أن ينفر العامي البسيط الذي بالكاد قلبه متعلق بالقرآن الكريم ويرغب في كسب حسنات يصل بها إلى الرحمات الإلهية.

إن وضع كلمات ك "ضرورة التدبر" كعامل مهم في العبادة لهو أمر ضروري ، لكن الأمر في رمضان يختلف شيئاً ما ، فكثرة أداء العبادات تصبح ذات أهمية فائقة فيصبح اللاعب على وتر التدبر يعبث بمشاعر العوام من البشر ، اقول بالعامية " على اساس احنا مشلخين التدبر طول السنة !! " . لذا ، فلنشجع بعضنا لأداء الختمات.. واغتنام الخيرات بدلاً من حرمانهم من الوصول إلى نيل الرحمات ، ولا نخدع ضمائرنا بضرورة التركيز على التدبر قبل كل شيء .

" خيركم خيركم لأهله" .. خيار الناس أكثرهم خدمة لأهل بيته ، فلا تلهيك العبادة عنهم ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : " لئن أمشي في حاجة أخي خير لي من ان اعتكف شهرا في مسجدي هذا ، ومن مشى مع اخيه المسلم في حاجة حتى يقضيها ثبت الله قدميه يوم تزول الأقدام " . فما بالك اخي المسلم أن يكون من تقضي حوائجهم في رمضان هم أهلك ؟ اعتبرها عبادة ، ولا تنظر إليها من باب لزوم اوامر الأهل التي يجب عليك أن تقضيها .. بل افعلها تعبداً ورغبة في الأجر .

محمد حسن
  

الجمعة، 3 أبريل 2015

بادر

المبادرة إذا أدرنا تعريفها من جانب المتطوع فهي كالتالي : هي القلب النابض لأي فريق تطوعي .. هي القلب النابض في صدر كل متطوع .. هي روح العطاء و سر الإنجاز ، جانب لا يمكن لذي بال مبصر في واقع العمل التطوعي بل وحتى في جوانب أخرى في الحياة الا ويجب عليه أن يتطرق إلى هذا الأمر ، فلا يكون مبتدأ أي عمل تطوعي الا مبادرة .. او ربما بث أحدهم روح المبادرة و ابتعد ، واكمل غيره الطريق ، فلها كل الأهمية وعلينا أن نمحصها و نهتم بها ايما اهتمام .

تخطر على الشاب المتطوع خاطرة في ذهنه تنبهه على أنه يستطيع أن يقوم بشيء حيال أمرٍ ما .. يقوم بعدها الشاب بدراسة الخاطرة بحيث يبحث في الامكانيات المتوفرة ، فيكون في ذهنه خطة بسيطة مرسومة واضحة المعالم ، لكن الشاب على المستوى الفردي لا يأخذ المبادرة في القيام بعمل ما نتيجة لعدة عوامل في تفكيره وذهنه بعيدا عن ما يواجهه حقيقة على ارض الواقع ، منها أن يعتقد بأن خطته – مبادرته – لن تخلو من جوانب سلبية عليه تلافيها ، فإذا اصطدم بالواقع اصابه الخوف .. و وقع عليه من الضغط النفسي مالله به عليم ، فيخشى بعد ذلك من المبادرة أو الرغبة في خوض اي تجربة او مبادرة جديدة .

إضافة على أنه في حقيقة الأمر .. ليست كل فكرة او خاطرة تمر في ذهن الإنسان يجب عليه أن يطبقها كمبادرة ، بل العكس .. بعض المبادرات أو الأفكار يجب حجبها ، تلك تجارب نمر بها في كل فترة ويجب علينا أن نهيئ نفسنا لها كشباب ، وان نتصرف حيال ذلك الأمر بمسؤولية .. غير أن الأفكار حمّالة الأوجه يلزم علينا الدخول في غمار تجربة توضح ما يجب علينا تغييره ، وأن نتعامل مع هذا الموضوع بكل تواضع ولين في النفس .. وبعيداً عن الكبر الزائف .

المجتمع .. اكبر عامل يمنعنا عن القيام بمبادراتنا ، فهو ينتقد كل فكرة جديدة .. فأصبح الشباب المتطوع يقول في أوساطه : " إذا أردت أن تنجح ... فعليك بأن تغلق أذنيك " . يقصد به الأمر أولئك الناس الذين يخبرونك مراراً بأنك لا تستطيع فعل ما تريد ، فكيف نقنع الشاب المتطوع بضرورة غرس روح المبادرة في قلبه وعدم الإكتفاء بتنفيذ مبادرات الغير وأفكارهم و أجندتهم ربما ؟! علينا تأصيل المسالة من عدة جوانب أمام الشاب المتطوع .

"المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف " حديث شريف . نعم ، ومالذي يجعل المؤمن القوي كذلك سوى مبادراته ؟! انظر إلى الخباب بن المنذر كما ذكرت سالفاً بأنه غير مجرى غزوة بدر بمبادرته .. انظر إلى سلمان الفارسي كيف علم العرب وسن الخنادق في حروبهم ، لو تمعنت في مناقب الإمام علي بن ابي طالب رضي الله عنه لوجدت بأن اغلبها كان قائماً على عامل المبادرة .. أنه شيءٌ بداخلهم .. يحركهم ويدفعهم ، مبادرات حمالات لعدة أوجه ، فلربما فشلت .. لكنهم اندفعوا ولم يترددوا .
عزيزي المتطوع ، إذا استمرت مبادراتك حبيسة للأفكار في ذهنك فقط فإنك ستمضي في الحياة بلا قيمة حقيقية .. قيمتك تقوم فقط على تطبيق مبادرات غيرك ، لكن ماذا عن مبادراتك أنت ؟! ماذا عن ذاتك أنت ؟! ادفع بنفسك إلى تطبيق مبادراتك على أرض الواقع .. جرب .. اعرف ما يلزمك لكي تعدله ولا تعطي لأفكارك القدسية وتظن بأنها ستكون ناجحة بنسبة مطلقة ، فهذا غير ممكن .. فلا يمكن أن تحيط بكل جوانب الفكرة الناجحة لمجرد أنك بدأت في التجربة ( علمت شيئاً وغابت عنك أشياءُ ) .. وهذه طبيعة النفس البشرية ، فالتجربة تحسن من أداء المبادرة وتعدل الجوانب التي يلزم تعديلها .. فلا تيأس ولا يداعي لأن يتغلغل الإحباط إلى نفسك .

في إطلاق مبادراتنا نتكامل مع بعضنا البعض .. قد يطلق احدهم مبادرة واحدة فتكون ناقصة وغير قابلة للتنفيذ ، فإذا حوّرناها واعدنا صياغتها  واطلقنا مبادرات أخرى تتحول إلى مبادرة غير قابلة للتنفيذ إلى فكرة جهنمية ، وبهذه الطريقة حولنا موقف الشاب ( الضعيف ) من موقف المتلقي المستقبل لما يأتيه سواءً كان  مستقبِلاً سلبياً ام إيجابياً .. إلى متطوع مبادرٍ إو إيجابي ، لديه رغبة جامحة في تغيير الواقع الذي يعيشه ، يصنع الفرص من المواقف الميتة ، يوجد الحلول من قلب المشاكل المستعصية ، هنا تكمن حقيقة ذاتك عزيزي المتطوع سواءً كنت عاملاً في فريق تطوعي أو على مستوى حياتك الشخصية .. لا تكتفِ بالإنتقاد و توجيه الملاحظات إلى الآخرين ، بل اعمل واصنع حياتك .. جرب .. لن تفشل الا إذا توقفت عن المحاولة .. فبادر . 


من كتاب " فمن تطوع خيراً .. " 
تأليف : العبد الضعيف 
ملاحظة : استقبل اقتراحاتكم و آرائكم و افكاركم 

الاثنين، 16 مارس 2015

مأساة التنظير ( البربرة الزايدة ) ..


الحمدلله المبدئ المعيد .. والصلاة و السلام على من بعثه الله رحمة للعبيد ، وعلى الآل والأصحاب ومن تبعهم ومشى على الدرب السديد ، اللهم أكرمني بنور الفهم .. واخرجني من ظلمات الوهم .. وحسن أخلاقي بالحلم .. وافتح علي من بركات العلم .. وابعد عني شرور الحاسدين من قريب أو من بعيد .

جلست ذات يوم في اجتماع زاد وقته عن الساعتين والنصف من النقاشات الساخنة التي من المفترض أن تكون عميقة ذات فائدة في جهة من الجهات الأهلية بالمملكة .. كان اجتماعاً تنظيرياً من الدرجة الأولى ، نبحث فيه عن السلبيات والإيجابيات .. ونطرح الحلول ونفدها ، اعلم تماماً بأن وضع النظريات و نقاش المشاكل أمرٌ مهم للغاية .. ولكنه أصابنا مرض فتاك ، وهو حب التنظير والكلام .. والبحث والتنقيب عن وسائله ، أما إنتاجنا الحقيقي على أرض الواقع فقد يكاد يكون صفراً على الشمال .. فعلاوة على أنه لا انتاج يذكر ، فإننا نتشبث بمراكزنا التي نشلها ونلقي بالأعذار يمنة ويسرة غير معترفين بعدم استطاعتنا بالقيام بأي إنتاج .. اقول ( بعدم استطاعتنا ) لأنني اتكلم برحمة واحسن الظن ، لأنني على يقين بأن هناك اناس ( لا يريدون أن ينتجوا شيئاً) .

الأمر ليس معنياً باجتماعات في جهات أهلية فقط .. تعلمنا من الغرب ممارسة إيجابية في ظاهرها ، لكننا نطبقها بمضمونها المحب للتنظير .. فنقيم المؤتمرات ونحرص على إخراجها بشكل مبهر وإبداعي ، إنه تجهيز المسارح للتنظير لا أكثر ، فيتصدر تلك المسارح من يتصدر ، ويلقي المحاضرات بدون أداة لقياس نجاح تلك المؤتمرات ، ويبقى نجاح تلك المؤتمرات المليئة بالتنظير يعتمد على ذوات الأشخاص لا على توجهات الدول التي باتت محبة للتنظير وتعطي المساحات الكبيرة له .. ليست المشكلة في دولنا فنحن نواتها ، صرنا نبحث عن الظهور على تلك المسارح ونشجع بعضنا على الخوض في غمار التنظير المقيت .. نحب أن نعطي رأينا في كل شيء سواءً كانت المسألة تعنينا أو لا تعنينا .. أو ربما يجب علينا أن نفكر أولاً فيما إذا كان يتوجب علينا أن نبدي رأينا حيال أمر ما أم لا فليس كل رأي لدينا يتحتم علينا نشره .. لا نحب أن ننتقد ذواتنا ونحللها ونطورها .. لكننا نحب جلد ذوات الآخرين .

يقول الإمام الأوزاعي  رحمه الله :"إذا أراد الله بقوم شراً ألزمهم الجدل ، ومنعهم العمل " .. مقياسك الحقيقي على ميزان الإنجاز هو العمل .. فقط العمل ، ستحتاج التنظير كبداية .. لكن لا تستغرق فيه حياتك و وقتك ، انطلق فالأمل بالحياة ليس طويلاً ، تخيل معي تلك اللحظات .. عندما تقف بين يدي الله سبحانه ويسألك عن مراكز شغلتها ، وكراسٍ شغرتها ، ماذا صنعت ، وماذا أنجزت ، فلما أحسست بأنه لو وزن لإنجازاتك .. لماذا احتفظت بموقعك ؟! لم لا تعطي غيرك فرصة العمل وتكون قدوة لغيرك في هذا الشأن ؟! لا اتكلم عن مراكز كبرى تصحب كراسيها شهوة عظيمة تنتزع القلوب في حال زوالها .. بل هي تلك الكراسي البسيطة الصغيرة ذات المسؤوليات محدودة ( إذا ضُيعت الأمانة فانتظروا الساعة ) .  

حب التنظير .. اعجاب بالنفس ، ومدخل للتثبيط والتخدير ، مما يوجع القلب فعلاً أن هناك فئة تتألم مفاصلها من كثرة العمل والجهد المضني  ولا أحد يشير إليهم بشيء .. وربما اندفن سرهم في بئر عميق ، وخرج في الصورة أحد آخر مُلم بأصول التنظير والكلام والتسويق للنفس .. فتحتسب الإنجازات لغير أصحابها الحقيقيين ( ما يطفح الا اللوح ) .

 

محمد حسن  

 

الثلاثاء، 10 مارس 2015

هل استمتعت بفشلك ؟!

الحمدلله البصير السميع  .. والصلاة والسلام على البشير النذير ذو الشان الرفيع ، سيد ولد آدم للأمة يوم القيامة خير شفيع ، و على الآل والأصحاب ذوي الخصال الكرام .. واحجبها يارب عن كل وضيع ، اللهم أخرجني من ظلمات الوهم .. وأكرمني بنور الفهم .. وافتح علي من بركات العلم .. وحسن أخلاقي بالحلم .. وافتح علي ابواب رحمتك .


الفشل .. ذلك المفهوم الخاطئ الذي نروجه لأنفسنا عندما لا نصل إلى هدف ما ، ظناً منا بأنه يتوجب علينا أن نصل لى ما نريده منا بأي شكل كان ومن أول محاولة  ، أن الإنسان بما تفرضه عليه السنن الكونية يجب عليه أن يكون قابلا للتطور ونقد الذات في كل حال .. لذا تجد أن الناجحين لا يتوقفون كثيراً عند لحظات عمل توفيقهم ، بل أنهم يتذكرون لحظات فشلهم ويستمتعون بها .. هم لا يسمونه فشلاً من حيث المبدأ .. فمادمت تحاول فأنت تنجح أو لا تنجح ، أما الفشل فهو أن تتوقف عن المحاولة .

سنة من سنن الكون .. هي أن للإنسان بعض ما يريد ، ولا يمكنه الحصول على كل شيء يريده .. وهذا الأمر يجعل قابلية البحث والتطور موجودة بقوة في ثنايا كل إنسان ، لكننا ننسى .. ننسى بأننا أناس ذو قدرات محدودة مهما كبرت في ظل طغيان نفوسنا وتعجرفها في قبول ضرورة التطور .

مع فعلك للأسباب المادية للوصول إلى النجاح مع عدم توفيقك .. رسالة إلهية بأنك إنسان مقصر في رفع يديك لله والطلب منه ، فهو سبحانه المسخر الأول لك ، فمادمت قد نسيت ذلك الأمر .. فإن الله سيستدرجك لبعض الوقت .. ثم يدعك ونفسك المغرورة ، التعلق بالأسباب المادية الصرفة ليس كل شيء في طريق النجاح .

تذكر .. بأن العظماء لا يخرجون للعالم بسهولة ، المشاريع الكبيرة  لا تأتي بغير متسع من الوقت .. الجهد .. التعب .. الفشل ، ذلك الذي نسميه فشلاً عندما لا نصل إلى ما نريد .. فإذا وصلنا إلى مبتغانا إذ بنا نبتسم ، فتكون الابتسامة اجمل و أوفى تعبير عن ما يدور بداخلنا من فخر وسعادة .. حتى بتلك اللحظات التعيسة .

في احدى مقولات توماس أديسون يكرس لنا مبدأ ً جميلاً بقوله : "أنا لم أفشل . أنا ببساطة وجدت 000 10 حلا لا يعمل " . هذه هي فلسفة الاستمتاع بالفشل بكل اختصار .. تقاوم وتقاوم وتعمل وتعرق ، ويئن جسدك ويتصدع رأسك ، لا توفق .. وتعيد الكرّة تلو الكرّة حتى تنجح ، وتأكد من أمر بالغ الأهمية .. هي بأن الله سبحانه لن يذرك على ما أنت عليه من نعمة او نجاح أو توفيق دائم ، الحياة مليئة بالعقبات .. المشكلات .. الصفعات ، والناس بسبب كل ذلك يتمايزون ، فمنهم الناجح المستمتع بكل شيء حتى بفشله المؤقت .. ومنهم دون ذلك . 

لن يكون هناك مجالا لتتذكر النجاح فتسعد .. وتتذكر الفشل فتتكدر ، استمتع بكل شيء .. فشلك بالأمس سيجعلك في المكانة التي ترغب بأن تكون بها غدا .. الصورة في بداية المقال للاعب التنس المعروف " روجير فيدرر " عندما خسر نهائي بطولة استراليا المفتوحة للتنس  سنة 2009.. كان وقتها يبكي بكاءً مريراً أخذ مساحته الكبيرة في وسائل الإعلام .. لكننا لو ذكّرنا "روجير" بتلك اللحظات الحزينة اعتقد بأنه سوف يبتسم ، لأن الفشل وقتها سيكون للذكرى ، وسيقوده تذكر الفشل إلى الاحساس بقيمة النجاح .. الصورة القادمة ل "روجير" سنة 2010 ، فما هو حاله وقتها ؟!


محمد حسن


 

الخميس، 5 مارس 2015

التمايز .. النزاع .. الفناء


الحمدلله الكريم العطيّ السخيّ .. والصلاة والسلام على النبي الكامل بوعوده وفيّ ، اللهم اشمل بصلاته الآل والأصحاب .. ومن تبعهم بإحسانٍ وكل وليّ ، اللهم أكرمني بنور الفهم ، وأخرجني من ظلمات الوهم ، وافتح عليّ من بركات العلم ، وحسنّ أخلاقي بالحلم .. و لهّني بعيوب نفسي عن عيوب غيري ، يا ستار العيوب .

كثيراً ما ينتشر ذلك السلوك الداعي إلى تصنيف البشر قبل أن نتعامل معهم ، لا نكاد نتقاسم همومنا مع بعضنا البعض إلا قبل ان تمر العلاقات بعملية تصنيف سريعة .. نعرف من خلالها ميول الأشخاص ، عقائدهم ، توجهاتهم .. قد يكون الامر من حيث الظاهر ليس ذا بال ولا يحمل أي إشكال .. لكن الواقع العملي يقول بأننا نصنف الناس إلى أصناف باستخدام المعايير السالفة الذكر ، ثم نتمايز على ذلك الأساس .. وهو ما يولد فيما بعد النزاع .. الذي بدوره سيتحول إلى صدام وصراع .. فإذا استمر فإن مصير الجميع سيؤول إلى الفناء .

مهما بدأت تلك الفرق وتلك التصنيفات بأهداف نبيلة .. فإن الوسائل التي تؤدي إلى تلك الأهداف ما تلبث إلا أن تحيد عن الطريق القويم ، فتجد أحدهم يتحدث عن الهدف السامي النبيل .. لكنه يكذب ، يخون العهد ، يمشي بالنميمة وينقل الإشاعات بين الناس من أجل الوصول إلى غايته .. حتماً ليس ذلك هو طريق الحق ، لأن طريق الحق لا يجبرك على الخوض في المعاصي والسلوكيات الخاطئة و الوسائل الملتوية للوصول إلى الأهداف .. إذا وجدت الإسلام يسير عكس أهوائك الشخصية و و نزواتك الحزبية و وجدت نفسك قد تعبت وارهقت .. فاعلم أنك تسير في الطريق الصحيح .

إن دخلت في انتخابات ما .. مرشحا او منتخبا .. و وجدت نفسك قد وقفت وقدمت صوتك بشكل متمايز و فئوي (هذي من جماعتنا .. من ربعنا .. من جمعيتنا )  فعليك مراجعة حساباتك .. فالأمر خطير جداً ، فقد أدخلت نفسك في نزاع لا تحمده عقباه .. في دائرة انتخابية في محافظة المحرق قام احدهم بالاتصال بأحد الناخبين وقال له : "من سترشح للمجلس " .. فقال الناخب : " فلانة " .. فقال المتصل : " اترشح وحدة ما اتصلي ؟! " .. لا شك في أن العهد مع الله أولاً هو طريق الوفاء بالعهد مع الناس ، لكن .. كيف يمكن اثبات أن المرأة لا تصلي ؟! ولا أجد الموضوع خرج بهذه الطريقة إلا لأهداف متمايزة القصد منها الوصول لأهداف معينة بأساليب ملتوية .. بهذه الطريقة أصبحت قلوبنا قاسية سوداء .

في بعض الفرق .. يقال للبنت : " ستكبرين .. وسيتزوجك أحدهم من ( الجمعية) " . سؤال يطرح نفسه : لماذا تؤسس البنت على أن الزوج من الجمعية هو الخيار الوحيد والأنسب لها ؟! هل الرجل من الجمعية من جنس البشر .. وغيره من جنس الجن او من جنس البقر !؟ .. إنه التمايز ، الذي يجعل تلك البنت تتخيل بأن الرجل ( من الجمعية ) سينقذ كيانها وحياتها .. يبقى الإختيار لها متروكاً بالطبع إن ارادت ذلك او لا .. يبقى السؤال : لماذا يتم تأسيس البنات على هذا المبدأ ؟! ماذا تريدون ؟

الفرقة الناجية .. مصطلح بسيط يحب البشر تعقيده ، يحب الناس جمع أنفسهم ومن يحبون في الجنة ، ومن يبغضون ومن هم ليسوا على اهوائهم في النار .. وكأن الجنة والنار ملك يمينهم يدخلون فيهما من يريدون .. بغير حق ولا برهان .. إذا كنت من الجماعة الفلانية .. فلك الحق في التوظيف في بعض الوزارات والهيئات ، أما إن لم تكن كذلك فلا رزق لك معهم ، وإذا دخلت معهم عنوة فإنك ستحارب !! إنه تعصب جاهلي بأسام ٍ أخرى .. نظهر أمام العيان بأننا نحب بعضنا .. لكننا في الحقيقة نحب التمايز أكثر ، نحب أحزابنا وأفكارنا أكثر ، نحب أن نكون دعاة على ابواب جهنم أكثر من كوننا دعاة على ابواب الجنة ... وإن نجوت بنفسك ولم تدخل في هذا التمايز قام الناس بتصنيفك كما يريدون، ونشر الشائعات عنك كما يشتهون ، صدق ( حمد الشمري ) عندما قال : " تره المجتمع ما يخلليك بحالك " .

محمد حسن  

  

الاثنين، 2 مارس 2015

اختبارات إلهية


الحمدلله قابل التوب شديد العقاب .. والصلاة والسلام على أشرف الخلق الأوّاب ، اللهم صل عليه عدد من أطاعك وللمغفرة دعاك.. وعدد من عصاك ثم تاب واناب ، اللهم أخرجني من ظلمات الوهم .. وأكرمني بنور الفهم .. وارزقني من بركات العلم .. وحسن أخلاقي بالحلم .. واحشرني ومن احب في عليين ، يا علي يا قدير .

من أجلّ المبادئ التي نستنبطها من تجاربنا واحتكاكنا ببعضنا البعض نحن جنس البشر هو مبدأ الرحمة .. تجد المولى عز ويجل ينعم عليك ويغدق عليك من عطاياه بالرغم من استمرار معاصيك و غفلاتك ، إنها الرحمة .. تجد الأم وهي عالمة خبيرة بعيوبك و زلاتك .. ولكنها تصحبك ، بل تعتبرها أنت حبك الأول الذي لا ينافسه حب ، تزوج فتكون الزوجة غطاءً لك .. وأنت غطاءٌ لها ، فتدوم المودة .. ويزداد التراحم بينكم .

لكن .. هل نحن مضطرون إلى الإلتزام بتلك المبادئ فقط مع من حولنا في المجتمع ، أم يجب علينا ان نلتزم بذلك السلوك الجليل مع جميع الناس ؟! في وصف عام للواقع .. فكل الناس فيهم عيوب ، ويحتاجون للرحمة والستر الإلهي .. لكن هذا الستر قد يزول بقدرة إلهية ( ليبلو بعضكم ببعض ) ، فيكون انكشاف السر من أصعب الإمتحانات التي تمر أمام أعين إنسان لو تبصر فيها ، أسرار البشر شأن إلهي خالص .. لكن الله عز و جل يكشف الأسرار للناس لغرض يعلمه هو سبحانه ، فمالذي يجب علينا التفكير به .. وبالتالي ينعكس ذلك إيجابا على سلوكنا ؟!

قد ينكشف ستر الله عن أحدهم امامنا .. فتصيبنا حالة من الإزدراء والاستصغار تجاه ذلك الشخص ، فلنتفكر .. هل أراد الله سبحانه منا أن نشعر بذلك الشعور تجاه بعضنا ؟! لو سألنا انفسنا .. كم من حبيب ، صاحب ، معارف سينجلون عنا وينكشفون من محيطنا ويهجروننا إذا انكشف ستر الله عنا .. وظهرت أمام العيان حقيقتنا ، فهل سنفكر لحظة في ازدراء الناس ؟! إن تحقير الناس واستصغارهم بسبب كشف الله الستر عنهم يجلب الغلظة والقسوة في القلب ( وان ابعد القلوب من ربنا الرحيم قلب قاسي ) .. يورث الكبر وهو أول المعاصي ( لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر ) .

الفتن والاختبارات تجر بعضها .. فمن يسقط في اختبار إلهي سيجر نفسه إلى السقوط في اختبار آخر ، إن نجحت حصنت نفسك من الشيطان ، وإن رسبت أصبحت مفتونا .. وصرت مرمى للسلوك السيئ المقيت ، فمن رأى أنه فوق الناس وقام بتصنيفهم إلى أصحاب اليمين و أصحاب الشمال من خلال نظرته القاصرة سيقع لا محالة في شر عظيم دنيوي و أخروي ، مشكلتنا أننا اذا وقعنا في موقف نستغرق في التفكير فيه .. ولا نفكر في حقيقة ما يريده الله منا ، ونظن بأننا من الأولياء والصالحين إذا تعرضنا لمثل تلك الإختبارات !! لكننا في حقيقة الأمر نسقط في اختبارات عدة .. فيصلح الله أحوال غيرنا ، ونفسد نحن أحوالنا بقصر نظرنا .. ما تحبه لنفسك عليك أن تحبه لغيرك ، وما لا ترضاه على نفسك .. لا ترضاه على غيرك .. و لا ترى نفسك فوق الجميع بأي حال .   

 
العبد الضعيف (محمد حسن )